الأحد، 25 مايو، 2008

ها السيارة مش عم بتمشى..




مقدمة لا بد منها:
وتبقى فيروز..
تطل علينا من شرفتها السماوية الساحرة..
تطل على الواقع العربى..
تمد يدها المستندة الى قوة وجمال صوت ملائكى..
تمسك بأيدينا جميعًا..
لتضعها على الجرح..
لتنبهنا اليه..
علنا نتعظ..
ونفهم..
ونعالج..
** ** **
موعدنا اليوم مع رائعتها ( ها السيارة مش عم بتمشى )
من مسرحية " ميس الريم "
يبدأ الاسكتش الغنائى ب مجموعة من التساؤلات يطرحها رجل الأمن.. يظن نفسه فى لاظوغلى:)
يسأل: اسمك؟.. شغلك؟.. ضيعتك؟
ترد: أنا اسمى زيون.. عندى بالمدينة محل بيع صحون.. وستى من ضيعة كحلون
يقول لها بصيغة متقارفة: الله معك على كحلون.!
تشير الى السيارة وتقول: ها السيارة مش عم بتمشى.. بدنا حدا يدفشها دفشة.. بيحكوا عن ورشة تصليح.. وما عرفنا وين هى الورشة.
مسرحية ميس الريم ليس فيها أى مجال لمداعبات سياسية كما عودنا الرحابنة وفيروز.. لكن من قال أن هذا يمكن أن يقف فى طريق قدراتهم الساخرة الرائعة صياغة ما يريدون قوله فى أى قالب..
يمكننا - بسهولة - ترجمة الحوار الغنائى بالأعلى الى معانى سياسية مغايرة تمامًا لما فرضته حكاية المسرحية..
فالسيارة لم تكن الا الوطن.. وطننا العربى الكبير
السيارة التى لم تتحرك رغم عهود الثورات ووعود الاصلاح الكثيرة التى وعِدنا بها نحن وأباؤنا لكن أحدًا لم يفى بوعوده.
تلخص فيروز أمالنا فى الاصلاح قائلة: بدنا حدا يدفشها دفشة..
ثم تسخر بشدة من كل طرق الاصلاح الشرقية والغربية التى اتبعناها ولم تفلح حين تقول: بيحكوا عن ورشة تصليح.. وما عرفنا وين هى الورشة!
لا أحد يعرف..
ثم يتتابع الحوار..
تقول: امبارح شفناهن رايحين.. على قمر العشاق طالعين.. ونحنا بمطرحنا واقفين.. والسيارة مش عم بتمشى.
الكلام أوضح من أن يوضح..
كلهم يتقدمون حولنا، بينما نحن لازلنا نقف فى مكاننا.. الكل يهتم بمصالح بلاده ونحن نهتم بمصالحنا الخاصة التى غالبًا ما تتعارض وتسبب لنا الكوارث ( ولنا فى قصة لبنان الأخيرة من العبر والأمثال ما يكفى).
تقول فيروز: يغيب نهار يطل نهار.. والناطر ناطر على نار.. بيجى مختار.. بيروح مختار.. والسيارة مش عم بتمشى.
مرة أخرى الكلام أوضح من أن يوضح..
تمر الأيام والتجارب.. أصبحنا فئران تجارب.. الاشتراكية، فالرأسمالية.. حسبما يرى الحاكم..
ثم يأتى الاسلاميون المتطرفون ويقدمون حلولاً أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها غبية.. ويطالبوننا أن نقبلها والا كنا كافرين.
والمختار - لمن لا يعرف - هو لفظة لبنانية تعبر عن روح الحرية الأصيلة التى تعود عليها لبنان..
المختار هو حاكم القرية.. كالعمدة عندنا
لكن لاحظ الفارق..
يأتى هذا المختار ليختار لنا الشرق..
ثم يأتى من ورائه ليختار لنا الغرب.. فجأة!
مع أن أبسط القواعد التى يعرفها أى طفل أن الخروج من جو ساخن الى جو بارد فجأة يصيب بالبرد..
أوطاننا مصابة بالبرد..
وربما كان فى طور التحول الى سرطان..!
ثم تعود فيروز الى قصة المسرحية الأصلية مرة أخرى وكأن كل ما سبق لم يكن الا اغفاءة سريعة رأت فيها موضع الجرح ودلتنا عليه.. اغفاءة رسول يتلقى وحيًا الهيًا ثم يعود ليدل الناس على الخير، وكل جمال هو خير، وكل خير إنما يعود فى أصله الى الله.
تعود فيروز الى القصة الأصلية حين تنادى: ويا أهل ميس الريم.. ضلوا اتذكرونى.. كل ما حبوا اتنين.. ضلوا اتذكرونى.. لا تنسوا زيون.. اللى ستها من كحلون..
أرجوكم..
لا تنسوا زيون.





الاثنين، 19 مايو، 2008

من طمع فى موائدنا.. يصبرعلى أوابدنا

.. ويقول التوحيدى فى مثالبه:
" إن جرعة الحرمان أمر من جرعة الثكل، وضياع التأميل أمضى من الموت، وخدمة من لم يجعله الله أهلاً لها أشد من الفقر، وإنما يُخدم من إنتصب خليفة لله بين عباده بالكرم والرحمة والتجاوز والصفح والجود والنائل، وصلة العيش، وبذل مادة الحياة، وما يصاب به روح الكفاية، وحرمان المؤمل من الرئيس ككفران النعمة من التابع.
رأيت الجرجرائى، وكان فى عدد الوزراء وجلة الرؤساء، يقول للحاتمى وهو من أدهياء الناس: إنما تُحرم لأنك تشتم
فقال الحاتمى: إنما أشتم لأنى أحرم، وإن شئت عملناها على الواضحة..
قال: قل.
قال الحاتمى:
يقطع هذا أن لا يسمعوا مدائحهم، ولايكترثوا بمراتبهم وأن يعترفوا لنا بمزية الأدب، وفضل العلم وشرف الحكمة، كما خذينا لهم بعظمة الولاية، وفضل العمل، وبسط اليد، وعرض الجاه، والاستبداد بالتنعم والطاق والرواق والأمر والنهى والحجاب والبواب، وأن يكتبوا على أبواب دورهم وقصورهم: يابنى الرجاء ابعدوا عنا، ويا أصحاب الأمل اقطعوا أطماعكم عن خيرنا وميرنا، وأحمرنا وأصفرنا، ووفروا علينا أموالنا، فلسنا نرتاح لنثركم ولا لنظمكم، ولا نعتد بملازمتكم مجالسنا، وترددكم على أبوابنا، ولا نهش لمدحكم وثنائكم، ومن فعل ما زجرناه عنه، ثم ندم، فلا يلومن الا نفسه... وأن من طمع فى موائدنا يجب أن يصبر على أوابدنا. ومن رغب فى فوائدنا نشب فى مكايدنا.
فأما اذا استخدمونا فى مجالسهم بوصف محاسنهم وستر مساويهم، فإن فى توفية العمال أجورهم قوام الدنيا.. فإن العطاء أولى من المنع، والتنويل أولى من الحرمان. "


أبو حيان التوحيدى
مثالب الوزيرين



_______________________________
النقل هنا عن مقال رائع لدكتورة هالة فؤاد بعنوان ( صراع العلم والمال وأهل الثقافة البؤساء ) منشور بمجلة العربى فى عددها الأخير - العدد 594 مايو 2008

الاثنين، 12 مايو، 2008

لبنان فى الإطار العالمى..

فى ذكرى النكبة الستين.. ليست الأمور سوداء الى هذا الحد

سيطر حزب الله على بيروت..
وكانت خطوة هائلة فى الواقع..
بم يمكن أن نسمى ما حدث فى بيروت خلال الأيام القليلة الماضية الا " بالهزيمة الساحقة " لفريق الموالاة..
للسيدين وليد جنبلاط وسمير جعجع على وجه الخصوص
حسنًا..
اسمحوا لى أن أتخيل الموضوع بشكل أكثر هزلية..
أكثر سخرية..
فليست هناك أوضاع أكثر هزلية وسخرية من الأوضاع العربية الحالية..
سنتخيل مباراة..!
بين محور ( الشر ) ومحور ( الخير ) طبعًا.. :D
حسنًا..
فلنبدأ..
لو كانت جالسًا فى المقصورة الرئيسية لفهم ما يجرى فى ملعب الشرق الأوسط ستجد فريق محور( الخير) الى يسارك بتيشرتاته البيضاء بخطوط عرضية حمراء ثم شورتات زرقاء بخمسين نجمة بالتمام والكمال.
الفريق الذى يمثله فى حراسة المرمى وفى القيادة الفنية أيضًا الولايات المتحدة الأمريكية وخط الدفاع والوسط تمثله مصر والسعودية وبشكل تقليدى جدًا الأردن ثم رأس حربة وحيد ( اسرائيل ) يساعدها من على الأطراف الأجنحة الخائنة فى لبنان شمالاً وفلسطين جنوبًا.
مصر التى ترتبط بعلاقات صداقة وثيقة مع الولايات المتحدة لأسباب " شحاتية " تتعلق بالمعونة الإقتصادية والعسكرية السنوية ثم لأسباب سياسية داخلية ظهرت مؤخرًا بضرورة الموافقة الأمريكية على تمرير مشروع توريث الحكم فى مصر.. وتبدو محاولات الرشوة المصرية لأمريكا واضحة جدًا فى هذا الشأن حين تصدر الغاز المصر لاسرائيل بأقل من ربع ثمنه العالمى فى الوقت الذى تزيد فيه أسعار البنزين على مواطنيها..!
أما السعودية فعلاقات نظامها بالولايات المتحدة قديمة منذ أيام اكتشاف بحر البترول الذى تعوم عليه المملكة والشركات الأمريكية التى اهتبلت على العمل هناك وموافقة المملكة بل وترحيبها بذلك رغم أن نصف ايرادات هذا البترول تذهب لجيب الشركات التى تكتشفه.. ومناقضة هذا لمبدأ ( الولاء والبراء ) الذى يؤكد عليه بشدة علماء المملكة الدينيين.. (ليس هذا موضوعنا على أية حال:D )
أما الأردن فعلاقاتها تقليدية للغاية مع الولايات المتحدة وقديمة ايضًا..
يمكننا القول - بضمير مستريح - أنها هى التى تتولى حماية النظام الملكى ( الهاشمى) هناك، الذى هو من قديم صنيعة الاستعمار الانجليزى، فوجوده مرتبط باستمرار الإمبريالية العالمية حتى وإن اختلف أقطابها..
أما اسرائيل فلا داعى لشرح خصوصية علاقتها بالولايات المتحدة.. فهى أوضح من أن يُتحدث عنها.
وعلى الخط تقف باكستان كبديل لكنه يعانى عدم الجهوزية لأسباب سياسية داخلية كثيرة.
أما على الجانب الأيمن من الملعب فستجد فريق محور ( الشر )..
الفريق الذى تمثله فى حراسة المرمى كوريا الشمالية، وفى خط الدفاع الصين وروسيا الإتحادية، وفى خط الوسط إيران وسوريا، ويعتمد على رأسى حربة فى المقدمة هما حزب الله وحماس.
وعلى الخط تقف فنزويلا ورئيسها المناضل اليسارى المعروف هوجو شافيز.
بدأ نزول الفريقان بوضوح أمام أعين الجماهير المتحمسة بعد الانتخابات التشريعية الفلسطينية2005 والتى تبين بعدها ان اتباع نهج تشجيع الديمقراطية فى الشرق الأوسط لن يكون ذا نتائج لطيفة بالنسبة للهيمنة الأمريكية على المنطقة.. إذ فازت منظمة حماس - الإرهابية حسب التصنيف الأمريكى وأحد رؤوس حربة فريق محور ( الشر ) بأغلبية ساحقة وأصبحت شوكة فى قلب المشروع الأمريكى الكبير للشرق الأوسط دعك من أنه الى الشرق من غزة كان قد بدا لكل الأعين أن العراق لن يكون سوى مستنقع أسود وأنه لن يقل عن أن يكون فيتنام أخرى..
عمومًا اكتمل نزول الفريقين الى أرض الملعب فى تموز 2006
نكبة تموز2006 تحديدًا..
حيث هجم فريق محور ( الشر ) هجمة مضادة سريعة خاطفة - استمرت 33 يومًا فقط - على فريق محور ( الخير ) أحرز بها هدفًا رائعًا عن طريق لاعبه المهارى المميز (حزب الله )
هدفًا لا تزال أصداؤه تتردد الى الأن..
أثبت هدف حزب الله شيئًا هامًا للغاية من وجهة نظرى..
أن أسوء شئ يمكن أن تواجهه اسرائيل هو الحرب.. ديموغرافيًا واقتصاديًا بالذات..
نحن العرب لدينا عمق داخلى كبير وقدر احتمال واستيعاب للخسائر، بينما اسرائيل ذاتها هى مجرد عمق، حتى أكثر أطرافها تطرفًا وبعدًا عن عاصمتها.. هو بالنسبة لها عمق، وهذه نقطة ضعف استراتيجية كبيرة لمن ينتبه.. من ينتبه!
سياسيًا لن تكون الخسائر كبيرة جدًا لأن ماما أمريكا تقف ورائها بكل قوتها، وقد قامت السيدة كوندى فى بداية تلك الحرب بنفس الدور القديم القذر الذى قام به هنرى كيسنجر إبان بداية حرب أكتوبر1973 حين قام بتعطيل كل القرارات التى تدعو الى وقف اطلاق النار على اعتبار أن ( الاسرائيليين يكسرون عظام المصريين ) ولكن الله - حمدًا لله - رد كيده فى نحره وتبين بعد ذلك أن وقف هذه القرارات كانت فى مصلحة مصر، إذ كانت الحقيقة أن المصريين هم من يكسرون عظام الاسرائيليين وليس العكس.
(1)
وكان دور كوندى أكثر قذارة وسوداوية - كما هى سحنتها - لأنه على الأقل كانت حرب أكتوبر بين جيشيين نظاميين بين عسكريين محترفين، أما حرب تموز2006 فهى قصف أسود لضاحية بيروت الجنوبية ( المدنية )..
عمومًا رغم محاولات صحافة فريق محور( الخير ) تمثيل الموضوع بأن الهدف كان من تسلل واضح بدا للجميع أن الهدف صحيح تمامًا بل و جميل أيضًا..
بعد الهدف أدركت الولايات المتحدة أن الخطورة الرئيسية لفريق محور ( الشر ) تتمثل فى لاعبه الرئيسى حزب الله، خصوصًا وأن رأس الحربة الأخر ( حماس ) ولأسباب كثيرة ليس على نفس القوة..
اجتمعت كوندى - كمدير فنى للفريق وكابتن له - باللاعبين وأعطتهم التعليمات بضرورة (مكاسرة ) هذا اللاعب الخطير، ونزع سلاحه.
ظل اللعب منحصرًا فى وسط الملعب طوال عامين وظلت النتيجة على حالها لكن فريق محور ( الخير ) ومن هجمة مرتدة لم يعمل فيها حسابًا للعمق الدفاعى أصدر الجناح الخائن فى لبنان قرارً معتديًا على سلاح المقاومة..
فشنت المقاومة هجومًا مباغتًا على بيروت مستغلة عدم وجود عمق دفاعى للفريق المنافس واستولت على بيروت محرزة الهدف الثانى الذى أرى أنه تأخر كثيرًا..
أسقط فى يد الولايات المتحدة والسيدة كوندى بعد أن رأت حلفائها يتساقطون واحدًا تلو الأخر.. وقد بدا التخبط شديد الوضوح فى كلام السنيورة وجنبلاط ثم الجعجاع جعجع.
وبهذه المناسبة أود أن أبعث بتحية تقدير للجيش اللبنانى الذى أظهر تفهمًا كاملا للأوضاع فى لبنان وتصرف على أساس مصلحة المقاومة التى هى بالتأكيد المصلحة الوطنية اللبنانية..
ومما يزيد من جراحات جنبلاط وجعجع أن الكل فى لبنان يؤيد خطوة المقاومة، بل ويرى البعض أنه تأخرت.. حتى السيدة فيروز أعلنت انتمائها السياسى حين أحيت - قبل عدة أشهر - حفلاً كبيرًا فى العاصمة السورية دمشق..
وبدا جنبلاط لحظتها كلاعب يمثل على الحكم ويقع داخل منطقة جزاء المنافس مدعيًا العرقلة ومطالبًا بركلة جزاء، لكن الحكم الواعى - الجيش - يصرخ فيه أن يقوم بل ويذهب ليعطيع انذارًا جزاء تمثيله.
الأن النتيجة 2 / صفر لصالح فريق محور ( الشر )
ولا يتوقع لها أن تتغير فى المستقبل القريب..
إذ تبين أن ورطة العراق لن تمكن الولايات المتحدة من أن تساعد حلفائها بشكل كامل فى أزمتهم الحالية..
دعك من أن الأوضاع الداخلية للأنظمة السياسية الحاكمة فى كل الدول المحالفة لأمريكا باستثناء الأردن والسعودية تعانى مشاكل كثيرة..
ففى أمريكا نفسها يعانى الرئيس بوش واداراته من أدنى مستويات للشعبية حازها رئيس أمريكى.. وعرف الأمريكيون - ربما للمرة الأولى - إختراعًا اشتراكيًا قديمًا هو (طابور الجمعية - الخبز - المواد التموينية )
وستكون الأيام الأولى لبوش يعد خروجه من البيت الأبيض عسيرة حقًا.. لا أستبعد أن يقذف منزله بالحجارة - التى هى فى الأصل - إختراع فلسطينى:D)
فى مصر يعانى نظامها المترهل من مشاكل داخلية كثيرة لا اريد أن أكثر من الحديث عنها لأن كلنا يعرفها.
فى اسرائيل يعانى رئيس وزرائها الفاشل اتهامات عديدة بالفساد قد تجبره على الاستقالة قريبًا - هذا يحزننى فعلاً - دعك من الأوضاع الاسرائيلية الداخلية كلها مضطربة منذ ضربة تموز 2006 دعك من الهجمات الصاروخية البسيطة التى تشنها حماس بين الحين والأخر والتى تسبب رعبًا كبيرًا فى اسرائيل..

وأما الأوضاع الخارجية للسياسة الأمريكية فهى على درجة أقل من السوداوية لكنها بشكل ما سوداء أيضًا..

فى شرق آسيا بدا أن الصبر الكورى الشمالى والصبر الصينى الكونفشيوسى العتيد بدأ يثمر..

كوريا بدأت تتجاهل خلافاتها مع جارتها الجنوبية وجارتها الجنوبية بدأت تدرك أنها تملك ثقافة تختلف عن الثقافة الأمريكية وأنها أقرب فى كل شئ الى جارتها الشمالية وأن القوة النووية الشمالية والاقتصادية الجنوبية اذا اتحدتا يمكن أن يفعلا شيئًا.. فى خطوة خطرة طالما حذر منها صمويل هنتنجتون. (2)

وحتى اليابان الحليف التقليدى للولايات المتحدة بدا أنها ستبدأ فى التخلى عنها والاقتراب تدريجيا من الصين وتناسى الماضى العدائى الطويل بينهما ولن تكون زيارة الرئيس الصينى التاريخية الأخيرة لليابان هى الأخيرة..

بل يبدو أن العلاقات الاقتصادية بالذات ستتطور بشكل كبير خلال الأعوام القادمة بعد أن امتلكت اليابان السوق الأمريكية تقريبًا وبدأت تتطلع الى السوق الصينية الهائلة. ( فى السنة الأخيرة كانت الصين هى الشريك التجارى الأول لليابان بدلاً من الولايات المتحدة )

وحتى أوروبا..
على الرغم من أن صعود اليمين المتطرف فيها يبدو واضحًا بفوز ميركل فى ألمانيا وساركوزى فى فرنسا وعودة بيرلسكونى لرئاسة الوزراء الايطالية..

الا أن الزوال المتوقع لليمين المتطرف الأمريكى فى الانتخابات القادمة لن يمكنهم من فعل شئ ذا بال.. خصوصًا وأن انهماكمهم الأكبر سيكون فى سبيل إيجاد طريقة لإقناع شعوبهم بالدستور الأوربى الموحد وقضاياهم الداخلية الأخرى الأكثر تعقيدًا، التى ليس إرتفاع معدل التضخم والهجرة أصغرها بالتأكيد.

وفى آسيا الوسطى ثمة كارثة اسمها ( تنظيم القاعدة ) بالاضافة الى أن سهول آسيا الوسطى هى معقل ثلاثة قوى كلها معادية للولايات المتحدة (روسيا والصين وإيران) مثلث رعب دموى كبير وضعت الولايات المتحدة نفسها وسطه بغباء حين احتلت أفغانستان..

أفريقيا تحاول أن تضع فيها قدمًا فى الصومال - تمامًا كعادة كل الدول الاستعمارية التى تحاول السيطرة على باب المندب - لكن الجماعات الاسلامية هناك لن تتركها..

ومشكلة دارفور لا يبدو أنها ستحل قريبًا، وأن بترول السودان لن يكون بحوزتها بسهولة.

فى أمريكا الجنوبية ظهر لها ( عفريت علبة ) جديد اسمه " هوجو شافيز " وهو ليس وحده.. وأعتقد أن أغلبية دول أمريكا الجنوبية تدرك الأن أن الخلاص من الهيمنة الأمريكية التقليدية عليها ربما يكون بداية جيدة..

الخلاصة:

أنه فى الذكرى الستين للنكبة، لا أرى الأمور سوداء الى هذا الحد..

بل بالعكس.. هناك مكاسب كثيرة أحرزتها القوى السياسية المناوئة للولايات المتحدة.. ولا ينتظر أن تخسرها قريبًا

وبات من الواضح جدًا أن سياسة البلطجة التى فرضتها أمريكا على العالم بحجة الحرب المقدسة على الإرهاب لم تجد نفعًا أمام مقاومة القوى المناوئة لها.

عمومًا..

أنا متفائل، وأرجو أن يكون على حق.

شكرًا بوش.. قد انتهى الدرس يا غبى.:D

___________________________

(1) أكتوبر 73 السلاح والسياسة - محمد حسنين هيكل - مركز الأهرام للنشر والترجمة

(2 ) صدام الحضارات.. إعادة تشكيل النظام العالمى - صمويل هنتنجتون - إصدارات سطور الجديدة


الخميس، 8 مايو، 2008

أزهار بيسان تنبت نجيمات صغيرة متألقة

أى جمال ذاك الذى وقفنا لنطل عليه من أعلى تلك الربوة ببيسان.. كانت الشمس – أمامنا – تنسحب ببطء الى الغرب وهى تجر ورائها ذلك الثوب الذهبى المنثور بدقة على الزهيرات.. وكان الوادى كله بالأسفل يتألق مرسلا الينا شذرات رائحة الزهر الفواحة لنرصع بها مشامنا.. التفت الى الوراء فوجدت – على البعد – أعمدة معبد بيسان الرومانى الشهير تغطى مساحة من الجبل..أما المقابر القديمة فقد كانت تحتل مساحة ما غرب الربوة بأكملها.. وكنت أنظر لعليّ اذ يقول بفخر يعلوه رماد الحزن: هذه هى بيسان.. أرضنا.
لم آبه لنبرة حزنه وقررت أن أستمتع بهذا الجمال قدر الامكان.. نظرت الى ساعتى وقدرت أن أمامى 4 ساعات على الأكثر لأعرف أنى أكبر أحمق عرفته فى حياتى، فالأسطورة التى جاءت بى الى هنا لم يكن من المعقول أن أصدقها أنا ذلك الصحفى المثقف المبعوث من قبل جريدته القاهرية لمتابعة آخر التطورات على الأرض الفلسطينية..الا أن رغبة ما جامحة سيطرة على عقلى وقلبى، ربما هو الفضول الصحفى، ربما هو البحث عن نقطة ضوء فى ذلك الظلام المحيط، ربما الاثنين ممتزجين جاءا بى الى هنا مخترقا وسط اسرائيل حيث القدس الى نابلس ثم الى بيسان عبر الطرق غير الشرعية باستضافة صديقى عليّ وقيادته اذ كان مرسلا من جانب أهله الذين يعرفون الأسطورة لاخبارى ومحاولة اثبات ذلك الكشف وكنت ساعتها شخصا غير مرغوب به داخل اسرائيل بعد عدد من الفضائح التى كشفتها مما أدى الى انتهاء فترة تكليفى اجباريًا. وبيسان كان الطريق اليها حزينا بقدر ما كان جميلا.. فقد كان مسيجا بالأشجار التى تكتنفها بين الفينة والأخر الآثار الحجرية القديمة للبيوت التى هجرها أصحابها.. وكانت تلك الأحجار – على صفرتها التاريخية- تعتريها دكنة خفيفة لا تعرف ان كانت من آثر الزمن وتكالب ظروف الطبيعة والتعرية عليها أم أنه مجرد تكاثف لزخات المطر وهبات الريح المشبعة بغبار البارود، أم أنه حزن ثقيل قد غطى بجناحه الأسود الطويل المنطقة وأصاب البيوت الحجرية منه ما أصابها.
انتبهت من خواطرى تلك على احمرار الشفق وقرب اختفاء قرص الشمس تماما..نظرت الى الجانب الأخر من السماء فوجدت البدر بازغا ينتظر تمام اختفاء الشمس حتى يتمم كمال خروجه من تحت السحب.. نظرت الى عليّ فوجدته يزداد توترًا مثلى..وكانت المشاعر التى تعترينا واحدة تقريبا رغم اختلاف المقاصد.. فهو كان يخشى على سره الذى أخبرنى به أن يتضح عدم صدقه هو الذى أصر أن يصحبنى الى هنا متحملا كافة التبعات.. وكنت أنا أخشى أن أسحق علىجدران هوة الظلام العميقة بعد فقدانى ذاك الأمل والنشوة التى بعثت الىّ فجأة وكنت قد قررت ساعتها أنه كتبت علينا الهزيمة آبدًا..
نظرت الى السماء فوجدت البدر قد اكتمل بزوغه فيممت وجهى شطر المقابر وبدأت أنتظر.
قلت لعلىّ :أمامنا ساعتان فقط.. اما أن يظهر شئ أو سنعود أدراجنا
قلتها وأنا أبتلع ريقى..فرد على أن نعم.
بعد نحو ربع الساعة بدأت البشائر تظهر، كان الأفق كله يزدحم بسحاب ثقيل غير عادى وقدرت أن أمامنا وقت قليل حتى تأتى تلك السحب على القمر فتحجب عنا مصدر ضوئنا الوحيد..
لكن الاثارة لم تكن قد بدأت بعد..
قال عليّ : هذه هى البشائر الأولى.. انتظر شيئا سيئا يحدث لاسرائيل خلال يوم أو يومين.. هذه هى القاعدة
فجأة ظهرت فى أذنى موسيقًا ما..جنائزية على الأرجح صاحب ظهورها انبثاق الصغيرة من العدم..
هل أصفها؟
ربما يمكننى القول أنها كانت تسير بالنور.. كانت تضع يدها على زهيرات المقابر فتشع فجأة نورًا وبهاءًا ثم تتوالد منها نجيمات لازوردية صغيرة تمارس حركتها الحلزونية الملتفة.. تخبو وتضئ.. تتألق بضوئها وضوء أمهاتها من الزهيرات ثم انطلقت فجأة الى السماء ومع انطلاقها صرخت الفتاة بأجمل صوت سمعته فى حياتى بعد أن يممت وجهها شطر السماء:
لا تحجب أَمَتك عن استغاثة.. اقترب يوم أدعوك*
ومع صرختها وثبت كل الزهيرات على كل المقابر الى الأعلى وانطلقت منها نجيماتها الخاصة وصعدت الى الأعلى وراء نجيمات ذلك القبر الذى اختارته الفتاة الصغيرة
كنت أنظر الى الموقف ذاهلا.. فما يحدث كان خارقا للطبيعة.. شديد الغرابة..وكان الأمل والفرحة بداخلى يتسعان كنقطة نور كبيرة كبرت لتسع العالم كله .. كنت أنظر وأنظر وأنظر غير قادر – حتى – على رفع الكاميرا.
_________________________
(*) من أحد ترانيم السيدة فيروز بتصرف

السبت، 3 مايو، 2008

لعلنا نفهم..

" إن القوة الإقتصادية الصينية اليوم - 1994 - تجعل المحاضرات الأمريكية لها عن حقوق الإنسان عملاً وقحاً، وفى غضون عقد ستكون شيئًا لا لزوم له، وفى غضون عقدين ستكون عملاً مضحكًا "