﴿ قال بَصُرْتُ بِـمَا لَـمْ يَبْصُرُوا بِهِ ﴾
السبت، ٢١ فبراير ٢٠٠٩
الأربعاء، ١٨ فبراير ٢٠٠٩
من مقدمة د. عبد الوهاب المسيرى لحزب الوسط الجديد
.. وانطلاقا من فكرة المشترك الإنساني والتعددية والخصوصية التي تشكل اللبنة الأساسية في منظومة الحزب الفكرية بذهب برنامج الحزب إلى أن الإسلام هو "المرجعية النهائية للمجتمع المصري" . وهذه العبارة تحتاج إلى توضيح ، إذ يرى البعض أن الحديث عن الإسلام كمرجعية نهائية هو دعوة إلى العودة إلى الحكومة الدينية وحكم الكهنوت وما شابه من مخاوف . وما غاب عن هؤلاء أن أي مجتمع ، بما في ذلك المجتمعات العلمانية ، رأسمالية كانت أم اشتراكية ، دبمقراطية كانت أم شمولية ، تتحرك في إطار مرجعية نهانية ما ، فبدون هذه المرجعية لا يمكن للمجتمع أن يحدد أولوياته أويسير أموره لأنه سيفتقد المعايير التي يمكن أن يحكم بها على ما يحيط به من ظواهر ومايقع حوله من أحداث . ففي الاتحاد السوفيتي السابق كانت مصلحه الطبقة العاملة والفلسفةالمادية هي المرجعية النهائية ، وباسم هذه المصلحة وباسم هذه الفلسفة تمت مصادرة ملكية صغار الفلاحين وصغار التجار حتى لا تظهر طبقة تتناقض مصالحها مع مصالح الطبقة العاملة (التي أصبحت تدريجيا مصلحة بيروقراطية الحزب الحاكم) . والمرجعية النهائية في الولايات المتحدة هي الملكية الفردية والفرد المطلق وحرية رأس المال وصيغة معلمنة من المسيحية . وهي في فرنسا تقريبا نفس الشيء في إطار قانون نابليون . أما في الدولة النازية (العلمانية المادية) فالفلسفة العرقية المادية التي تصنف البشر حسب لون البشرة وحجم الجمجمة ، أي حسب صفات مادية كامنة فيهم ، كانت هي الإطار المرجعي النهائي (ألمانيا فوق الجميع بسبب تفوق الجنس الآري – المنفعةالمادية هي المعيار الوحيد) . والدولة الصهيونية (أو اليهودية كما تزعم) فمرجعيتها هي المرجعية المادية بعد أن اكتست برداء يهودي (اليهود لهم حقوق مطلقة في فلسطين بسبب تقدمهم وتفوقهم الحضاري وانتمائهم للتشكيل الحضاري الغربي ولأنهم شعب واحد مختار) .
المرجعية النهائية إذن أمر حتمي ، ومن لا يقرر لنفسه مرجعيته النهائية سيقررها له الآخرون ، أو سيتبنى بدون وعي مرجعية ما دون إدراك لتضميناتها بالنسبة له . وإذا كان الحزب يؤمن بالمشترك الإنساني ويؤمن بأن العملية السياسية والعمليات الاجتماعية لا يكمن أن تكون منفصلة عن القيمة فإنه يرى أن تقرير مرجعية مجتمعنا لابد وأن تتم بشكل واع ونابع من واقعنا وثفافتنا وسماتنا وطموحاتنا ومثالياتنا (خاصة في المرحلة الراهنة حيث تحدث طيلة الوقت اختراقات فكرية وثفافية كثيرة لوجداننا ورؤيانا) ، إذ ليس من المتوقع أو المنطقي أو الممكن أن نترك مجتمعنا بلا مرجعية أو نستورد مرجعية من الخارج .
لكل هذا يذهب مؤسسو الحزب إلى أن طريق الإصلاح الذاتي "ينبني على قيمنا الحضارية وخصوصيتنا الثفافية المستمدين أصلا وأساسا من الدين الذي يؤمن به المصريون كافة ، إسلاما كان أم مسيحية . وهم يرون أن مرجعية الإسلام العامة في هذا الوطن محل احترام بنيه أجمعين ، فهي بالنسبة للمسلمين مرجعية دينهم الذي به يحيون وعليه يموتون ويبعثون ، وهي بالنسبة لغير المسلمين مرجعية الحضارة التي بها تميزت بلادهم ، وفي ظلالها أبدع مفكروهم وعلماوهم وقادتهم ، وبلغتها نطق وعاظهم وقديسوهم ، ولهم في إنجازاتها كلها دور مشهود وجهد غير منكور . ولذلك فإن السعي – بالوسانل الديمقراطية – إلى تطبيق المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع" ، سيكون عملا أساسيا يضعه الحزب في مركز اهتمامه" .
والشريعة الإسلامية كمرجعية نهانية لا تستبعد أحدا "فالإسلام قرر وحدة "الدين" في أصوله العامة ، وأكد على أن شريعة الله تعالى للناس تقوم على قواعد ثابتة من الإيمان والعمل الصالح والإخاء ، وأن الأنبياء جميعا مبلغون من الله ، وأن الكتب السماوية جميعا من وحيه ، وأن المؤمنين جميعا في أية أمة كانوا هم عباده ، وأن الفرقة في الدين والخصومة باسمه إثم يتنافى مع أصوله وقواعده ويتناقض مع غايته ومقاصده" . ومن هنا يرى الحزب أن "الرقابة الروحية" والوصاية على الضمير والمعتقد الديني إهانة لكرامة الإنسان ، وإهدار لحقه في الحرية ، بل وتعدي على إرادة الله سبحانه وتعالى .
والشريعة كمرجعية ليست مجرد نصوص تتلى أو أحكام يتم تطبيقها أمام المحاكم ، فالمسألة أعمق من هذا بكثير . فالشريعة منظومة قيمية ومعايير مرجعية يهتدي الناس بهديها في سلوكهم أمام القانون ، وأمام أنفسهم في حياتهم العامة والخاصة ، والشريعة كمرجعية لا تعني أنها مجموعة من القيم الساكنة وإنما هي عملية متحركة حية تهدف إلى تحقيق المقاصد العامة للشريعة من حرمة النفس الإنسانية وحفظ العقل وتفعيل دوره في الحياة وحرية الاعتقاد وحرمة المال العام والخاص وصيانة العرض وكرامة الإنسان .
وحينما يطرح مؤسسو الحزب الشريعة كمرجعية نهائية فإنهم يسعون إلى جعلها متفاعلة مع جوانب الحياة جميعا ووضعها موضع التطبيق عن طريق تخير الاجتهادات التي لا تصيب حركة المجتمع بالشلل ، وهي اجتهادات بشرية تستضيء بمقاصد الشريعة العامة وكلياتها الأساسية ، ولكنها تظل اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ ، وقابلة للأخذ والرد والنقد والمراجعة ، كما أنها قابلة أيضا لإعادة النظر والتغير من زمان لزمان ومن مكان لمكان .
وفي محاولة أولية لتطبيق مفهوم الشريعة كمرجعية نهائية لأبناء المجتمع ككل ، يقرر برنامج الحزب أن مفهوم المواطنة هو الضابط الأساسي في العلاقة بين أبناء الوطن الواحد ، فمن حق المواطن المصري المسيحي أن يتولى أي منصب مثل أي مواطن آخر ، أي أنه يستطيع أن يكون قاضيا أو رئيسا للجمهورية . كما يؤكد الحزب أن تطبيق العدل والمساواة وتطبيق الشورى والديمقراطية والحرية هي عناصر الشريعة ، أما النظام العقابي في كل الدنيا ، فهو خاضع للنقاش .
ويرى مؤسسو الحزب أن الخطاب الديني السائد في مصر منذ فترة طويلة يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إصلاح أساليبه وتجديد مضامينه وتنحية المفاهيم السلبية واللغة الاعتذارية والمعاني الانعزالية التي يحتويها ، وذلك بهدف استيعاب متغيرات الواقع ، وتفعيل "دور الخطاب الديني في مواجهة المشكلات التي يعاني منها المجتمع وبخاصة فئة الشباب ، كما أن هذا التجديد يجب أن ينعكس بشكل إيجابي على مكانة المؤسسة الدينية (الأزهر – الكنيسة) ودورها في جهود التنمية والإصلاح الاجتماعي العام . وهذا التبني من قبل المؤسسين ليس جديدا ولا مرتبطا بدعوات حديثة قادمة من الخارج ولكنها دعوة قديمة ومتأصلة تبناها المصلحون والمفكرون قديما وحديثا ، لأنه واجب ديني ووطني لإدراك الواقع والتفاعل معه وتطويره بما يخدم مصالح الأمة ولايصطدم بغير مبرر مع العالم" .
هذه هي الأسس الفكرية التي ينطلق منها برنامج الحزب وبقية البرنامج إنما هي تبد لهذه المنطلقات .
ففي المحور السياسي يؤكد البرنامج أن الشعب هو مصدر السلطات التي يجب الفصل يبنها ، واحترام حق التداول السلمي للسلطة ، والمواطنة كأساس للعلاقة بين أفراد الشعب المصري ، وحرية الاعتقاد الخاص ، وإقرار التعددية الفكرية والسياسية ، وتنظيم ومراقبة السوق لحماية الضعفاء في إطار القانون ، وحماية حقوق العمال والمستهلكين ، وقيام الدولة بدور نشط في مجال الإنتاج والاستثمار في المجالات الأمنية والاستراتيجية . أما في المحور الاقتصادي فيقرر البرنامج أن الانطلاق الحقيقي للاقتصاد لا يتحقق إلا بتوافر الثقة ، وإزالة معوقات الاستثمار كافة ، وحرية القطاع الخاص ، وتحديد الأولويات الاستثماريه . وفي المحور الثقافي ثمة تأكيد على المشترك الإنساني ، وضرورة الانفتاح على كل الحضارات ، بما في ذلك الحضارة الغربية ، مع التأكيد على ضرورة التوجه شطر الحضارات الشرقية المجاورة فهي حضارات عريقة وثرية ، تحوي رؤية للطبيعة والإنسان تتفق مع كثير من عناصر رؤيتنا العريبة الإسلامية .
كما يؤكد برنامج الحزب ضرورة أن يكون الفن متحررا ومنفتحا . ولكن هذا لايعني أن الإبداع أمر مطلق لا علاقة له بالمجتمع أو بالقيم الإنسانية أو الأخلاقية ، ولذا لابد من التوازن بين تشجيع الآداب والفنون والإبداع من ناحية ، والالتزام بقيم المجتمع وثوابته من ناحية أخرى .
إن نظرت إلى تفاصيل برنامج الحزب ستجد أنه يحاول دائما أن يجد النقطة التي يتلاقى ويتقاطع فيها العام (المشترك الإنساني) مع الخاص (الهوية – الخصوصية – اللغة العربية) ويتلاقى فيها الفرد (القطاع الخاص – الإبداع – تشجيع الاستثمار) مع المجتمع (القيم الأخلاقية – حماية الضعفاء – ترتيب أولويات المجتمع) . هذا هو النمط العام والمتكرر الذي يضفي وحدة فكرية على برنامج الحزب رغم تعدد وتنوع تفاصيله . ومع هذا وجدت أنه من الضروري أن أشير إلى ثلاث نقاط تعبر – شأنها شأن كل تفاصيل البرنامج – عن المرجعية النهائية الإسلامية وعن نقطة التلاقي بين العام والخاص ولكنها ذات أهمية خاصة ، ولذا تسحق أن أتناول كل واحدة منها على حدة .
أول هذه النقاط انتماء مصر العروبي الاسلامي ، وهو ما يتبدى في موقف الحزب من مشاريع الوحدة العربية المختلفة بما في ذلك مشاريع السوق العربية المشتركة . ولعل موقف الحزب من القضية الفلسطينية يبين هذا التقاطع والتقابل بين العام والخاص بشكل متبلور، فقد جاء في برنامج الحزب "أن المسئولية عن القضية الفلسطينية – الى جانب مسئولية الشعب الفلسطيني – هي أيضا مسئولية عربية تخص كل العرب ، وهي كذلك مسنولية العالم الإسلامي ، بل مسنولية الأحرار في العالم كله ، فهي قضية ذات بعد إنساني تهم كافة شعوب العالم نظرا للمعاناة التي يعانيها الشعب الفلسطيني" . وانطلاقا من هذا يؤكد برنامج الحزب حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة ، بما فيها القوة المسلحة ، وحقه في تقرير مصيره وحق العودة للاجنين الفلسطينين ، وهي كلها حقوق نصت عليها المواثيق والمقررات والأعراف الدولية والإنسانية والشرانع السماوية .
وثاني النقاط التي أود الإشارة إليها باعتبارها تبديا لنقطة التلاقي والتقاطع بين العام والخاص هو ما يشار إليه في البرنامج بأنه إدماج الاخلاق في سياسات الإصلاح . وعملية الإدماج هذه هي نتيجة منطقية للالتزام بالمرجعية النهائية الإسلامية ورفض فصل القيم الاخلاقية والإنسانية والدينية عن رقعة الحياة العامة . والاصلاح الاخلاقي – في نظر المؤسسين – يجب أن يتأسس على المبادىء والقيم الاسلامية التي تحض على مكارم الاخلاق وفضائل الأعمال ، وهو بهذا المعنى يمتد إلى البحث في كيفية إعادة الفاعلية إلى منظومات القيم والمعايير الفردية والجماعية السائدة في مجتمعنا المصري . والإصلاح الاخلاقي يعني بتقييم وتقويم السلوك من منظور صواب الأفعال أو خطنها ، جوازها أو عدم جوازها ، ويعتمد أول ما يعتمد على قوة الوازع الداخلي إلى جانب المناخ الملائم والقانون العادل والمؤسسات الفاعلة ، فالإصلاح الأخلقي له جانب ذاتي وجانب موضوعي مؤسسي . هذه الثنائية تعبر عن نفسها في جانب آخر وهو الإصرار على القدوة والشفافية . فقد ورد في برنامج الحزب "أن المبادئ والقيم والمعايير الأخلاقية مهما كان نبلها وسموها تظل قليلة التأثير في الواقع ما لم تتجسد في قدوات حسنة يقتدي بها جموع المواطنين على كل مستوى من المستويات ، على أن يجري دعم هذا التوجيه بمجموعة من إجراءات الشفافية (مثل إعلان الذمة المالية ، ومصادر الدخل قبل تولي الوظائف العامة أو الولايات النيابية وبعدها ..) وغيرها من الإجراءات التي تبرهن على صدقية هذه القدوات الحسنة ومن يليها من المقتدين بها في مختلف مواقع المسئولية .
والنقطة الثالثة المهمة هو موقف الحزب من الدولة المركزية التي تجمع السلطة في يدها وتهمش الأطراف . فمن الواضح أن برنامج الحزب يرفض مثل هذا المفهوم للدولة الذي ثبت فشله (ولعل سقوط الاتحاد السوفيتي أكبر دليل على هذا ، كما أننا في مصر قد جربنا فكرة الدولة المركزية هذه في الستينات ، ورغم كل إنجازاتها ، إلا أنها في نهاية الأمر عجزت عن مواجهة الاستعمار الصهيوني ، كما عجزت عن حماية إنجازاتها في عصر الانفتاح والرأسمال الحر) . يطرح الحزب تصورا مختلفا يحجم دور الدولة المركزية ويفعل دور كل قطاعات الشعب . ولعل أهم الآليات في هذا المضمار هو الإصرار على أن الشعب هو مصدر السلطات ، أي أن الديمقراطية هي الإطار الوحيد السليم لإدارة المجتمع . والديمقراطية تجعل من اتخاذ القر ار مسألة مركبة تتطلب مشاركة الجميع فيها . ومن الآليات الأخرى تجديد ثقافة العطاء والعمل التطوعي ووضع برنامج لنشر هذه الثقافة وتعميمها وتشجيع الوقف الخيري ، والمؤسسات الأهلية (بما في ذلك مؤسسة أهلية لجمع الزكاة وإنفاقها وتقديم التيسيرات والإعفاءات اللازمةلإنجاح تلك المؤسسات) . كما أن تفعيل القنوات الديمقراطية الشرعية يعني ثشجيع النقابات المهنية والحرفية على التحرك والتعبير عن مصالح ومطامح أعضائها الذين يشكلون غالبية الشعب . كل هذه الآليات من شأنها أن تضع حدودا على سلطة الدولة دون أن تلغيها أو تقوضها ، بل إنها تجعل الدولة قادرة على الاضطلاع بمسئولياتها على أكمل وجه ، فهي ستكون دولة منفتحة على مؤسسات المجتمع المدني التي تحس بنبض ومطالب الجماهير بشكل مباشر لا يمكن أن يتوفر للنخب أو البيروقراطيات المركزية الحاكمة .
هذا هو الإطار العام لبرنامج الحزب وهذه هي منطلقاته وركائزه الفكرية وهذه هي بعض تبدياته ، فالبرنامج يحوي العديد من التفاصيل والمجالات التي لم نتعرض لها في هذه المقدمة ، ويمكن للقارئ أن يعود إليها للاستزادة وليرى بنفسه مدى ارتباط التفاصيل الجزئية المتنوعة بالكليات والركائز .
ولعله من الضروري أن نؤكد في النهاية أن البرنامج يطرح نفسه لا باعتباره وصفة لحل كل المشاكل ودواء لكل داء وإنما يطرح نفسه باعتباره اجتهادا أوليا ونقطةانطلاق . ومن خلال الممارسة اليومية سنكتشف أن ثمة مجالات لم نتطرق إليها في برنامجنا رغم أهميتها ، وأن بعض مقترحاتنا قد جانبها الصواب ، ولذا من المتوقع تعديل كثير من تفاصيل البرنامج حذفا وإضافة وإعادة صياغة داخل إطار منطلقات الحزب وركانزه الفكرية . والله أعلم .
د. عبد الوهاب المسيري
القاهرة في 25 / 8 / 2004
المرجعية النهائية إذن أمر حتمي ، ومن لا يقرر لنفسه مرجعيته النهائية سيقررها له الآخرون ، أو سيتبنى بدون وعي مرجعية ما دون إدراك لتضميناتها بالنسبة له . وإذا كان الحزب يؤمن بالمشترك الإنساني ويؤمن بأن العملية السياسية والعمليات الاجتماعية لا يكمن أن تكون منفصلة عن القيمة فإنه يرى أن تقرير مرجعية مجتمعنا لابد وأن تتم بشكل واع ونابع من واقعنا وثفافتنا وسماتنا وطموحاتنا ومثالياتنا (خاصة في المرحلة الراهنة حيث تحدث طيلة الوقت اختراقات فكرية وثفافية كثيرة لوجداننا ورؤيانا) ، إذ ليس من المتوقع أو المنطقي أو الممكن أن نترك مجتمعنا بلا مرجعية أو نستورد مرجعية من الخارج .
لكل هذا يذهب مؤسسو الحزب إلى أن طريق الإصلاح الذاتي "ينبني على قيمنا الحضارية وخصوصيتنا الثفافية المستمدين أصلا وأساسا من الدين الذي يؤمن به المصريون كافة ، إسلاما كان أم مسيحية . وهم يرون أن مرجعية الإسلام العامة في هذا الوطن محل احترام بنيه أجمعين ، فهي بالنسبة للمسلمين مرجعية دينهم الذي به يحيون وعليه يموتون ويبعثون ، وهي بالنسبة لغير المسلمين مرجعية الحضارة التي بها تميزت بلادهم ، وفي ظلالها أبدع مفكروهم وعلماوهم وقادتهم ، وبلغتها نطق وعاظهم وقديسوهم ، ولهم في إنجازاتها كلها دور مشهود وجهد غير منكور . ولذلك فإن السعي – بالوسانل الديمقراطية – إلى تطبيق المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع" ، سيكون عملا أساسيا يضعه الحزب في مركز اهتمامه" .
والشريعة الإسلامية كمرجعية نهانية لا تستبعد أحدا "فالإسلام قرر وحدة "الدين" في أصوله العامة ، وأكد على أن شريعة الله تعالى للناس تقوم على قواعد ثابتة من الإيمان والعمل الصالح والإخاء ، وأن الأنبياء جميعا مبلغون من الله ، وأن الكتب السماوية جميعا من وحيه ، وأن المؤمنين جميعا في أية أمة كانوا هم عباده ، وأن الفرقة في الدين والخصومة باسمه إثم يتنافى مع أصوله وقواعده ويتناقض مع غايته ومقاصده" . ومن هنا يرى الحزب أن "الرقابة الروحية" والوصاية على الضمير والمعتقد الديني إهانة لكرامة الإنسان ، وإهدار لحقه في الحرية ، بل وتعدي على إرادة الله سبحانه وتعالى .
والشريعة كمرجعية ليست مجرد نصوص تتلى أو أحكام يتم تطبيقها أمام المحاكم ، فالمسألة أعمق من هذا بكثير . فالشريعة منظومة قيمية ومعايير مرجعية يهتدي الناس بهديها في سلوكهم أمام القانون ، وأمام أنفسهم في حياتهم العامة والخاصة ، والشريعة كمرجعية لا تعني أنها مجموعة من القيم الساكنة وإنما هي عملية متحركة حية تهدف إلى تحقيق المقاصد العامة للشريعة من حرمة النفس الإنسانية وحفظ العقل وتفعيل دوره في الحياة وحرية الاعتقاد وحرمة المال العام والخاص وصيانة العرض وكرامة الإنسان .
وحينما يطرح مؤسسو الحزب الشريعة كمرجعية نهائية فإنهم يسعون إلى جعلها متفاعلة مع جوانب الحياة جميعا ووضعها موضع التطبيق عن طريق تخير الاجتهادات التي لا تصيب حركة المجتمع بالشلل ، وهي اجتهادات بشرية تستضيء بمقاصد الشريعة العامة وكلياتها الأساسية ، ولكنها تظل اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ ، وقابلة للأخذ والرد والنقد والمراجعة ، كما أنها قابلة أيضا لإعادة النظر والتغير من زمان لزمان ومن مكان لمكان .
وفي محاولة أولية لتطبيق مفهوم الشريعة كمرجعية نهائية لأبناء المجتمع ككل ، يقرر برنامج الحزب أن مفهوم المواطنة هو الضابط الأساسي في العلاقة بين أبناء الوطن الواحد ، فمن حق المواطن المصري المسيحي أن يتولى أي منصب مثل أي مواطن آخر ، أي أنه يستطيع أن يكون قاضيا أو رئيسا للجمهورية . كما يؤكد الحزب أن تطبيق العدل والمساواة وتطبيق الشورى والديمقراطية والحرية هي عناصر الشريعة ، أما النظام العقابي في كل الدنيا ، فهو خاضع للنقاش .
ويرى مؤسسو الحزب أن الخطاب الديني السائد في مصر منذ فترة طويلة يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إصلاح أساليبه وتجديد مضامينه وتنحية المفاهيم السلبية واللغة الاعتذارية والمعاني الانعزالية التي يحتويها ، وذلك بهدف استيعاب متغيرات الواقع ، وتفعيل "دور الخطاب الديني في مواجهة المشكلات التي يعاني منها المجتمع وبخاصة فئة الشباب ، كما أن هذا التجديد يجب أن ينعكس بشكل إيجابي على مكانة المؤسسة الدينية (الأزهر – الكنيسة) ودورها في جهود التنمية والإصلاح الاجتماعي العام . وهذا التبني من قبل المؤسسين ليس جديدا ولا مرتبطا بدعوات حديثة قادمة من الخارج ولكنها دعوة قديمة ومتأصلة تبناها المصلحون والمفكرون قديما وحديثا ، لأنه واجب ديني ووطني لإدراك الواقع والتفاعل معه وتطويره بما يخدم مصالح الأمة ولايصطدم بغير مبرر مع العالم" .
هذه هي الأسس الفكرية التي ينطلق منها برنامج الحزب وبقية البرنامج إنما هي تبد لهذه المنطلقات .
ففي المحور السياسي يؤكد البرنامج أن الشعب هو مصدر السلطات التي يجب الفصل يبنها ، واحترام حق التداول السلمي للسلطة ، والمواطنة كأساس للعلاقة بين أفراد الشعب المصري ، وحرية الاعتقاد الخاص ، وإقرار التعددية الفكرية والسياسية ، وتنظيم ومراقبة السوق لحماية الضعفاء في إطار القانون ، وحماية حقوق العمال والمستهلكين ، وقيام الدولة بدور نشط في مجال الإنتاج والاستثمار في المجالات الأمنية والاستراتيجية . أما في المحور الاقتصادي فيقرر البرنامج أن الانطلاق الحقيقي للاقتصاد لا يتحقق إلا بتوافر الثقة ، وإزالة معوقات الاستثمار كافة ، وحرية القطاع الخاص ، وتحديد الأولويات الاستثماريه . وفي المحور الثقافي ثمة تأكيد على المشترك الإنساني ، وضرورة الانفتاح على كل الحضارات ، بما في ذلك الحضارة الغربية ، مع التأكيد على ضرورة التوجه شطر الحضارات الشرقية المجاورة فهي حضارات عريقة وثرية ، تحوي رؤية للطبيعة والإنسان تتفق مع كثير من عناصر رؤيتنا العريبة الإسلامية .
كما يؤكد برنامج الحزب ضرورة أن يكون الفن متحررا ومنفتحا . ولكن هذا لايعني أن الإبداع أمر مطلق لا علاقة له بالمجتمع أو بالقيم الإنسانية أو الأخلاقية ، ولذا لابد من التوازن بين تشجيع الآداب والفنون والإبداع من ناحية ، والالتزام بقيم المجتمع وثوابته من ناحية أخرى .
إن نظرت إلى تفاصيل برنامج الحزب ستجد أنه يحاول دائما أن يجد النقطة التي يتلاقى ويتقاطع فيها العام (المشترك الإنساني) مع الخاص (الهوية – الخصوصية – اللغة العربية) ويتلاقى فيها الفرد (القطاع الخاص – الإبداع – تشجيع الاستثمار) مع المجتمع (القيم الأخلاقية – حماية الضعفاء – ترتيب أولويات المجتمع) . هذا هو النمط العام والمتكرر الذي يضفي وحدة فكرية على برنامج الحزب رغم تعدد وتنوع تفاصيله . ومع هذا وجدت أنه من الضروري أن أشير إلى ثلاث نقاط تعبر – شأنها شأن كل تفاصيل البرنامج – عن المرجعية النهائية الإسلامية وعن نقطة التلاقي بين العام والخاص ولكنها ذات أهمية خاصة ، ولذا تسحق أن أتناول كل واحدة منها على حدة .
أول هذه النقاط انتماء مصر العروبي الاسلامي ، وهو ما يتبدى في موقف الحزب من مشاريع الوحدة العربية المختلفة بما في ذلك مشاريع السوق العربية المشتركة . ولعل موقف الحزب من القضية الفلسطينية يبين هذا التقاطع والتقابل بين العام والخاص بشكل متبلور، فقد جاء في برنامج الحزب "أن المسئولية عن القضية الفلسطينية – الى جانب مسئولية الشعب الفلسطيني – هي أيضا مسئولية عربية تخص كل العرب ، وهي كذلك مسنولية العالم الإسلامي ، بل مسنولية الأحرار في العالم كله ، فهي قضية ذات بعد إنساني تهم كافة شعوب العالم نظرا للمعاناة التي يعانيها الشعب الفلسطيني" . وانطلاقا من هذا يؤكد برنامج الحزب حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة ، بما فيها القوة المسلحة ، وحقه في تقرير مصيره وحق العودة للاجنين الفلسطينين ، وهي كلها حقوق نصت عليها المواثيق والمقررات والأعراف الدولية والإنسانية والشرانع السماوية .
وثاني النقاط التي أود الإشارة إليها باعتبارها تبديا لنقطة التلاقي والتقاطع بين العام والخاص هو ما يشار إليه في البرنامج بأنه إدماج الاخلاق في سياسات الإصلاح . وعملية الإدماج هذه هي نتيجة منطقية للالتزام بالمرجعية النهائية الإسلامية ورفض فصل القيم الاخلاقية والإنسانية والدينية عن رقعة الحياة العامة . والاصلاح الاخلاقي – في نظر المؤسسين – يجب أن يتأسس على المبادىء والقيم الاسلامية التي تحض على مكارم الاخلاق وفضائل الأعمال ، وهو بهذا المعنى يمتد إلى البحث في كيفية إعادة الفاعلية إلى منظومات القيم والمعايير الفردية والجماعية السائدة في مجتمعنا المصري . والإصلاح الاخلاقي يعني بتقييم وتقويم السلوك من منظور صواب الأفعال أو خطنها ، جوازها أو عدم جوازها ، ويعتمد أول ما يعتمد على قوة الوازع الداخلي إلى جانب المناخ الملائم والقانون العادل والمؤسسات الفاعلة ، فالإصلاح الأخلقي له جانب ذاتي وجانب موضوعي مؤسسي . هذه الثنائية تعبر عن نفسها في جانب آخر وهو الإصرار على القدوة والشفافية . فقد ورد في برنامج الحزب "أن المبادئ والقيم والمعايير الأخلاقية مهما كان نبلها وسموها تظل قليلة التأثير في الواقع ما لم تتجسد في قدوات حسنة يقتدي بها جموع المواطنين على كل مستوى من المستويات ، على أن يجري دعم هذا التوجيه بمجموعة من إجراءات الشفافية (مثل إعلان الذمة المالية ، ومصادر الدخل قبل تولي الوظائف العامة أو الولايات النيابية وبعدها ..) وغيرها من الإجراءات التي تبرهن على صدقية هذه القدوات الحسنة ومن يليها من المقتدين بها في مختلف مواقع المسئولية .
والنقطة الثالثة المهمة هو موقف الحزب من الدولة المركزية التي تجمع السلطة في يدها وتهمش الأطراف . فمن الواضح أن برنامج الحزب يرفض مثل هذا المفهوم للدولة الذي ثبت فشله (ولعل سقوط الاتحاد السوفيتي أكبر دليل على هذا ، كما أننا في مصر قد جربنا فكرة الدولة المركزية هذه في الستينات ، ورغم كل إنجازاتها ، إلا أنها في نهاية الأمر عجزت عن مواجهة الاستعمار الصهيوني ، كما عجزت عن حماية إنجازاتها في عصر الانفتاح والرأسمال الحر) . يطرح الحزب تصورا مختلفا يحجم دور الدولة المركزية ويفعل دور كل قطاعات الشعب . ولعل أهم الآليات في هذا المضمار هو الإصرار على أن الشعب هو مصدر السلطات ، أي أن الديمقراطية هي الإطار الوحيد السليم لإدارة المجتمع . والديمقراطية تجعل من اتخاذ القر ار مسألة مركبة تتطلب مشاركة الجميع فيها . ومن الآليات الأخرى تجديد ثقافة العطاء والعمل التطوعي ووضع برنامج لنشر هذه الثقافة وتعميمها وتشجيع الوقف الخيري ، والمؤسسات الأهلية (بما في ذلك مؤسسة أهلية لجمع الزكاة وإنفاقها وتقديم التيسيرات والإعفاءات اللازمةلإنجاح تلك المؤسسات) . كما أن تفعيل القنوات الديمقراطية الشرعية يعني ثشجيع النقابات المهنية والحرفية على التحرك والتعبير عن مصالح ومطامح أعضائها الذين يشكلون غالبية الشعب . كل هذه الآليات من شأنها أن تضع حدودا على سلطة الدولة دون أن تلغيها أو تقوضها ، بل إنها تجعل الدولة قادرة على الاضطلاع بمسئولياتها على أكمل وجه ، فهي ستكون دولة منفتحة على مؤسسات المجتمع المدني التي تحس بنبض ومطالب الجماهير بشكل مباشر لا يمكن أن يتوفر للنخب أو البيروقراطيات المركزية الحاكمة .
هذا هو الإطار العام لبرنامج الحزب وهذه هي منطلقاته وركائزه الفكرية وهذه هي بعض تبدياته ، فالبرنامج يحوي العديد من التفاصيل والمجالات التي لم نتعرض لها في هذه المقدمة ، ويمكن للقارئ أن يعود إليها للاستزادة وليرى بنفسه مدى ارتباط التفاصيل الجزئية المتنوعة بالكليات والركائز .
ولعله من الضروري أن نؤكد في النهاية أن البرنامج يطرح نفسه لا باعتباره وصفة لحل كل المشاكل ودواء لكل داء وإنما يطرح نفسه باعتباره اجتهادا أوليا ونقطةانطلاق . ومن خلال الممارسة اليومية سنكتشف أن ثمة مجالات لم نتطرق إليها في برنامجنا رغم أهميتها ، وأن بعض مقترحاتنا قد جانبها الصواب ، ولذا من المتوقع تعديل كثير من تفاصيل البرنامج حذفا وإضافة وإعادة صياغة داخل إطار منطلقات الحزب وركانزه الفكرية . والله أعلم .
د. عبد الوهاب المسيري
القاهرة في 25 / 8 / 2004
الخميس، ١٢ فبراير ٢٠٠٩
اجتماعيات..
هذه ليست تدوينة معتادة..
أو هي معتادة بالنسبة للأونة الأخيرة.. يبدو أن المدونة قد تحولت الى صفحة اجتماعيات فى جريدة من كثرة ما دونت بها عن مناسبات حدثت فى الأونة الأخيرة..
لدي هذه المرة ثلاثة أخبار فى غاية الجمال..
أو هي معتادة بالنسبة للأونة الأخيرة.. يبدو أن المدونة قد تحولت الى صفحة اجتماعيات فى جريدة من كثرة ما دونت بها عن مناسبات حدثت فى الأونة الأخيرة..
لدي هذه المرة ثلاثة أخبار فى غاية الجمال..
الأول يتعلق بالبشمهندز/ عمرو الشرنوبي..
صديقي العزيز وأستاذي الذي يدربني على احتراف نظام التشغيل linux، فقد قضى الله أن تكون الجمعة الماضية هي أخر أيامه مع العزوبية العزيزة، وقرر وهو بكامل قواه العقلية للأسف أن يدخل قفص الزوجية، وقد اختار وأحسن اختيار رفيقة حياته وعمره المديد باذن الله الأنسة دعاء فتحي خيرة بنات ألسن عين شمس..
صديقي العزيز وأستاذي الذي يدربني على احتراف نظام التشغيل linux، فقد قضى الله أن تكون الجمعة الماضية هي أخر أيامه مع العزوبية العزيزة، وقرر وهو بكامل قواه العقلية للأسف أن يدخل قفص الزوجية، وقد اختار وأحسن اختيار رفيقة حياته وعمره المديد باذن الله الأنسة دعاء فتحي خيرة بنات ألسن عين شمس..
بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما فى خير
الخبر الثاني أن صديقي العزيز د. أنس خالد، بعد أن استخار الله، وفكر وقدر، قرر أن يختار نفس يوم عقد قران عمرو ودعاء ليعلن خطبته للد. مي البكري ليعلن بذلك عن فرحة جديدة، ولتدوي زغرودة جديدة فى أسماع جموع أعضاء منتدى شمساوي العظيم.
بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما فى خير
الخبر الثالث يتعلق بالكوفيد!، والكوفيد لمن لا يعلم هو عادة تمارسها القبائل البدائية فى أمريكا الجنوبية وتقضي بأن ينام الزوج الذى ولدت زوجته فى الفراش بدلاً منها ويظل يدعي التلوي من آلام الولادة لمدة شهر مع أكله للرز المملح فقط حتى اذا هاجمت الشياطين ظنته هو المرأة، وبالتالي فهو أقدر على مواجهتها منها.
حسنًا..
لقد مارس معي صديقي العزيز جدًا الشاعر الموهوب جدًا محمد فوزي شيئًا مماثلاً طيلة 9 أشهر، ولا أعني بهذا طبعًا أنى قد ولدت، الا أنه بوقوفه الى جواري فى محنتي الأخيرة أزاح عني الكثير من الألم، وأرشدني الى مواطن قوتي، فله مني جزيل الشكر، ومن الله جزيل العطاء.
يحتفل محمد هذه الأيام بعيد ميلاده لذا..
حسنًا..
لقد مارس معي صديقي العزيز جدًا الشاعر الموهوب جدًا محمد فوزي شيئًا مماثلاً طيلة 9 أشهر، ولا أعني بهذا طبعًا أنى قد ولدت، الا أنه بوقوفه الى جواري فى محنتي الأخيرة أزاح عني الكثير من الألم، وأرشدني الى مواطن قوتي، فله مني جزيل الشكر، ومن الله جزيل العطاء.
يحتفل محمد هذه الأيام بعيد ميلاده لذا..
كل سنة وانت طيب يا محمد
الجمعة، ٦ فبراير ٢٠٠٩
اشكالية الفن.. تحليل النموذج الكامن
1- تبسيط المفاهيم:
باختصار شديد: تقوم فكرة " الحداثة المنفصلة عن القيمة " على افتراض أن الإنسان - عقله الطبيعي/ المادي تحديدًا - هو مركز الكون من بين عناصره الثلاثة (الإله - الطبيعة - الإنسان )، مع استبعاد الإيمان بكل ما هو خارج عن نطاق ذلك العقل / الطبيعي ، كفكرة الإله المفارق المتجاوز للتاريخ والطبيعة مصدرًا للأخلاق والقيمة والمعيارية والغاية والهدف، وكل تلك الأمور الخارجة عن نطاق القياس المادي الرياضي الصارم!
وبالتالي فقد أصبح العقل الطبيعي/المادي هو مصدر الأخلاق والمعيارية والغاية والهدف، دون الحاجة الى أى مصدر أخر للمعرفة خارج حدود الحواس الخمس، كالوحي الإلهي مثلاً، لأنه أمر خارج عن حدود المادة فلا يمكن قياسه وبالتالي لا يمكن الإعتراف به!
وللتبسيط.. يمكننا فهم هذا المصطلح اذا تخيلنا سيارة تخرج من أسوان وتسير بطول الوادي شمالاً الى القاهرة، هذا يعني أن السيارة لها بداية ( أسوان )، ولها هدف نهائي ( القاهرة)، وتمتلك خطة للوصول اليه ( السير بطول الوادي شمالاً).
وفى المقابل دعونا نتخيل سيارة أخرى خرجت من أسوان، ثم شمالاً بطول الوادي الى القاهرة ومنها الى الإسكندرية، ثم عبرت البحر المتوسط الى إيطاليا، ومنها عبر أوروبا الى القطب الشمالي، ومنه الى القطب الجنوبي، وهكذا!
السيارة الثانية تمثل مفهوم " الحداثة المنفصلة عن القيمة "، وهي سيارة غبية هدفها المجرد والنهائي هو السير وليس توصيل الناس.
وإشكالية " الحداثة المنفصلة عن القيمة "، إشكالية وقعت فيها الفلسفة الغربية حين نحت الإله/المطلق/الأخلاق/ الغاية/المعيارية عن مركز الكون، وفوجئت بعد ذلك بأن العقل الطبيعي المادي وحده غير قادر على تحديد هدف للحياة، ولا قيمًا تحكم توجه هذا الهدف، فجعلت التقدم فى حد ذاته هدفًا نهائيًا!
ولنتذكر مثال السيارة التى تسير بغير هدى، سيارة هدفها السير فقط!
فكرة شديدة العبثية والسخافة بالطبع..!
بالتالي تصبح حركة الإنسان عشوائية مادية بحتة، غير واضحة الهدف ولا حتى المعالم، بالضبط كما هي حركة الإلكترونات حول الذرة، وليحاول أى حد أن يمسك بالكترون ثم يسأله ما هو الهدف من دورانك الأبدي حول نواة الذرة ولينظر بم سيجيبه!
ونتج عن الإيمان بأن العقل الطبيعي المادي هو وحده المطلق، أعلن نيتشه وقتها ما أطلق عليه " موت الإله، أن انفصلت كل مجالات الحياة بالتالي عن القيم والغائيات الأخلاقية بمصدرها الإلهي الذي أعلن نيتشه موته، وأصبحت خاضعةً فقط للقوانين الكامنة فيها، تستمد معياريتها من ذاتها!، فيحكم على المجال الإقتصادي بمعايير إقتصادية فقط، والمجال السياسي بمعايير سياسية فقط، والمجال الفني بمعايير فنية فقط!
ما يهمنا هنا هو المجال الفني..
فى أحد مشاهد فيلم " بحب السيما " يُسقط الطفل " نعيم " صور السيدة مريم على الأرض ليكتشف أن أمه (ليلى علوي)، الفنانة التشكيلية السابقة، قد رسمت على ظهرها صورًا عارية، يدخل فى هذه اللحظة الأب (محمود حميدة) المتزمت دينيًا ليجد هذه الصور فيغضب غضبًا شديدًا ويصرخ وهو يمزق تلك الصور:
ده حرام، فتصرخ فيه الأم: " حرام عليك ده فن "!
تلخص كلمة " ده فن " كل شئ من وجهة نظري، والمفهوم الكامن ورائها أوضح من أن يوضح، فالفن أصبح قيمة مطلقة يستمد معياريته من ذاته، بعيدًا عن أى مطلق ميتافيزيقي خارجي يحكمه ويوجه حركته، الأخلاق مثلاً، لكن الفن فى حد ذاته مطلق ميتافيزيقي غير قابل للقياس المادي الصارم، وبالتالي كان طبيعيًا أن يسقط لتحل محله المادة ( الجنس/ المال)، وهو ما نلمسه بشدة الأن فى كل الأغاني والأفلام والرسومات والكتابات والأعمال (الفنية) الهابطة التى تنزل علينا كالصواعق كل يوم!
وفى داخل الإطار المعرفي يصبح مفهومًا بل ومقبولاً أن يكون أمر المخرج مقدمًا على نهي الله (المطلق الذي تم قتله)، وأن يصبح التعري للضرورة (الفنية) أهم من الإحتشام للضرورة الدينية، وأن يصبح جلوس الفتيات عاريات ( " الموديلز" وهي تسمية فى غاية الحقارة والإهانة للمرأة) أمام الرسامين الذكور كي يدرسوا عليهن تشريح الجسد أمرًا طبيعيًا ومستساغًا، فكله فى النهاية " فن "!
باختصار شديد: تقوم فكرة " الحداثة المنفصلة عن القيمة " على افتراض أن الإنسان - عقله الطبيعي/ المادي تحديدًا - هو مركز الكون من بين عناصره الثلاثة (الإله - الطبيعة - الإنسان )، مع استبعاد الإيمان بكل ما هو خارج عن نطاق ذلك العقل / الطبيعي ، كفكرة الإله المفارق المتجاوز للتاريخ والطبيعة مصدرًا للأخلاق والقيمة والمعيارية والغاية والهدف، وكل تلك الأمور الخارجة عن نطاق القياس المادي الرياضي الصارم!
وبالتالي فقد أصبح العقل الطبيعي/المادي هو مصدر الأخلاق والمعيارية والغاية والهدف، دون الحاجة الى أى مصدر أخر للمعرفة خارج حدود الحواس الخمس، كالوحي الإلهي مثلاً، لأنه أمر خارج عن حدود المادة فلا يمكن قياسه وبالتالي لا يمكن الإعتراف به!
وللتبسيط.. يمكننا فهم هذا المصطلح اذا تخيلنا سيارة تخرج من أسوان وتسير بطول الوادي شمالاً الى القاهرة، هذا يعني أن السيارة لها بداية ( أسوان )، ولها هدف نهائي ( القاهرة)، وتمتلك خطة للوصول اليه ( السير بطول الوادي شمالاً).
وفى المقابل دعونا نتخيل سيارة أخرى خرجت من أسوان، ثم شمالاً بطول الوادي الى القاهرة ومنها الى الإسكندرية، ثم عبرت البحر المتوسط الى إيطاليا، ومنها عبر أوروبا الى القطب الشمالي، ومنه الى القطب الجنوبي، وهكذا!
السيارة الثانية تمثل مفهوم " الحداثة المنفصلة عن القيمة "، وهي سيارة غبية هدفها المجرد والنهائي هو السير وليس توصيل الناس.
وإشكالية " الحداثة المنفصلة عن القيمة "، إشكالية وقعت فيها الفلسفة الغربية حين نحت الإله/المطلق/الأخلاق/ الغاية/المعيارية عن مركز الكون، وفوجئت بعد ذلك بأن العقل الطبيعي المادي وحده غير قادر على تحديد هدف للحياة، ولا قيمًا تحكم توجه هذا الهدف، فجعلت التقدم فى حد ذاته هدفًا نهائيًا!
ولنتذكر مثال السيارة التى تسير بغير هدى، سيارة هدفها السير فقط!
فكرة شديدة العبثية والسخافة بالطبع..!
بالتالي تصبح حركة الإنسان عشوائية مادية بحتة، غير واضحة الهدف ولا حتى المعالم، بالضبط كما هي حركة الإلكترونات حول الذرة، وليحاول أى حد أن يمسك بالكترون ثم يسأله ما هو الهدف من دورانك الأبدي حول نواة الذرة ولينظر بم سيجيبه!
ونتج عن الإيمان بأن العقل الطبيعي المادي هو وحده المطلق، أعلن نيتشه وقتها ما أطلق عليه " موت الإله، أن انفصلت كل مجالات الحياة بالتالي عن القيم والغائيات الأخلاقية بمصدرها الإلهي الذي أعلن نيتشه موته، وأصبحت خاضعةً فقط للقوانين الكامنة فيها، تستمد معياريتها من ذاتها!، فيحكم على المجال الإقتصادي بمعايير إقتصادية فقط، والمجال السياسي بمعايير سياسية فقط، والمجال الفني بمعايير فنية فقط!
ما يهمنا هنا هو المجال الفني..
فى أحد مشاهد فيلم " بحب السيما " يُسقط الطفل " نعيم " صور السيدة مريم على الأرض ليكتشف أن أمه (ليلى علوي)، الفنانة التشكيلية السابقة، قد رسمت على ظهرها صورًا عارية، يدخل فى هذه اللحظة الأب (محمود حميدة) المتزمت دينيًا ليجد هذه الصور فيغضب غضبًا شديدًا ويصرخ وهو يمزق تلك الصور:
ده حرام، فتصرخ فيه الأم: " حرام عليك ده فن "!
تلخص كلمة " ده فن " كل شئ من وجهة نظري، والمفهوم الكامن ورائها أوضح من أن يوضح، فالفن أصبح قيمة مطلقة يستمد معياريته من ذاته، بعيدًا عن أى مطلق ميتافيزيقي خارجي يحكمه ويوجه حركته، الأخلاق مثلاً، لكن الفن فى حد ذاته مطلق ميتافيزيقي غير قابل للقياس المادي الصارم، وبالتالي كان طبيعيًا أن يسقط لتحل محله المادة ( الجنس/ المال)، وهو ما نلمسه بشدة الأن فى كل الأغاني والأفلام والرسومات والكتابات والأعمال (الفنية) الهابطة التى تنزل علينا كالصواعق كل يوم!
وفى داخل الإطار المعرفي يصبح مفهومًا بل ومقبولاً أن يكون أمر المخرج مقدمًا على نهي الله (المطلق الذي تم قتله)، وأن يصبح التعري للضرورة (الفنية) أهم من الإحتشام للضرورة الدينية، وأن يصبح جلوس الفتيات عاريات ( " الموديلز" وهي تسمية فى غاية الحقارة والإهانة للمرأة) أمام الرسامين الذكور كي يدرسوا عليهن تشريح الجسد أمرًا طبيعيًا ومستساغًا، فكله فى النهاية " فن "!
** ** **
2- أغنية: In Da Club نموذجًا:
نعيش الأن عصر " ما بعد الحداثة "، وهي مرحلة تاريخية بدأت مع نهاية الستينات من القرن الماضي، وتتميز بعدة سمات يمكن استبيانها من خلال تحليل بسيط لأغنية In da club، فنحن نذهب الى أن " فن " كل عصر يحمل سماته ومفاهيمه ورؤيته لذاته وللكون.
وقد اخترت هذه الأغنية بالذات لسبيين:
الأول هي أنها تقريبًا تحمل كل سمات حضارة عصر ما بعد الحداثة.
الثاني هي أنها أغنية شهيرة جدًا مما يسهل على كل من يقرأ أن يجدها ويحللها معي.
ولنبدأ بالتعريف..
أغنية In da club أحد أشهر أغاني مغني الراب الأمريكي 50cent، وتُغنى ، تسميتها بالأغنية هنا تجاوزًا، فى مساحة 4 دقائق
ولنبدأ معًا تحليلها..
1- الموسيقى: (ألية) بسيطة الى حد يثير الغيظ، رتيبة متكررة الى حد كبير، تشبه فى حركتها وتكرارها الممل حركة الآلة، والآلة هنا تمثل مفهومًا كامنًا فى الحضارة الغربية منذ بداية عصر التنوير، اذًا حركة الموسيقى رتيبة متكررة مملة، ولن أبالغ لو قلت أنها مادية الى حد كبير، وهو أمر معتاد فى الموسيقى والغناء الغربي بعامة حتى وإن ظهرت على السطح بعض التشكيلات الموسيقية المختلفة الا أنه فى خلفية الأغنية تستطيع، ان كنت تمتلك سماعة جيدة، أن تتبين نمطًا معينًا من النغم يتكرر برتابة مملة، وقد تسلل هذا النمط من التلحين الى غنائنا للأسف ضمن ما تسلل الينا أمور يتفاخر بها البعض لأنه يصبح بفعلها متحضرًا!
ويمكن بوضوح شديد تبين نغمة التكرار والرتابة الألية المقيتة من خلال سماع أخر دقيقة من الأغنية التى تتكرر فيها النغمة بشكل متعمد كأنها تقول لك: نحن نكرر أنفسنا لنغيظك!
وأحب أن أشير هنا الى نقطة أراها هامة، وهو موضوع التخليط الذى يحدث عمدًا فى أغاني بعض الفرق الغنائية المصرية الحديثة التى سمعتها ( "وسط البلد" أو "قص ولزق" على سبيل المثال) بين الموسيقى الشرقية والغربية، بنسب كبيرة جدًا للآلات الغربية، أوبين كلمات شرقية كشعر أو ذكر مثلا وبين موسيقى غربية، يمكن للمدافعين عن هذا أن يتحدثوا عن ثقافة السلام وتمازج الحضارات وكل هذا الهراء، يصبح هذه مفهومًا ومقبولاً من وجهة نظري اذا كان يوجد مقابل له، أى اذا وجدنا فرقًا غربية تزاوج بين الموسيقى الشرقية والغربية بهذه الطريقة، وبغير هذا فإن الأمر لا يعدو كونه صورة أخرى من صور الإنبطاح الحضاري للغرب.
يعضد وجهة نظري فى هذه النقطة جو هذه الحفلات ( الفنية) الغربي تمامًا وجمهورها الذي يتكون فى أغلبيته الساحقة من فئة الشباب المنتمي الى الطبقات الإجتماعية فوق المتوسطة والغنية والذي يبذل قصارى جهده للتشبه بالسادة فى مانهاتن!
2- الكلمات: ثمة تركيز شديد على الرغبات السفلى ( المال - الجنس - المخدرات )، يؤكد هذا على جوهر النموذج المعرفي الكامن للإنسان داخل المنظومة الفلسفية الغربية التى ردته الى عناصره المادية فحسب، وجعلت هدف حياته يدور حول مبدأي اللذة والمنفعة فقط، وقد اضطرت اذاعة عربية متخصصة فى بث الأغاني الأجنبية، حين اذاعتها لتلك الأغنية، أن تقطع منها لحيظات عديدة لإخفاء كلمات ك ( Sex- Fuck- Drugs) التى تكررت بكثرة على مسطح زمني يبلغ 4 دقائق تقريبًا هو زمن الأغنية، مما أفقد الأغنية أى معنى.
مما يلاحظ أيضًا أنه ثمة انفصال كامل بين طريقة ( الغناء) والموسيقى، فكل يسير فى طريقه، يمكن أن نضع هذا ضمن ما يطلق عليه د. عبد الوهاب المسيري ( انفصال الدال عن المدلول)، حيث أنه بما أننا فى عصر السيولة الشاملة حيث لا قواعد تحكم أى شئ، بالتالي يمكن وضع أى شئ بجوار أى شئ، بل وعلينا قبوله باعتباره " فن "، وربما لهذا السبب فإن الموسيقى الغربية ( يدخل ضمنها الغناء) مهما بلغت درجة جمالها لا تُطرِب، عكس الموسيقى الشرقية ( القديمة)، التى يجب أن تتمازج فيها الموسيقى والكلمات ولا تنفصل، حيث هناك هدف ما للأغنية، حيث هناك رؤية ما للكون.
ومما يلاحظ أيضًا طريقة نطق الكلمات، تلك اللهجة الغريبة، لست مجيدًا للإنجليزية لكنى أدعي القدرة على التمييز بين الإنجليزية الراقية، الإنجليزية الفصحى ان صح هذا التعبير والتى كان يتحدث بها الانجليز الى وقت قريب، وبين هذه اللهجة المسخ التى تمثل تحديًا لكل قواعد اللغة والنطق، مرة أخرى نحن ندور فى فلك فكرة تحطيم كل القواعد والمطلقات وأشباه المطلقات.
3- الصوت: عصر السيولة الشاملة يأتى لنا بكل جديد، فبعد أن كانت ( القاعدة ) هي أن الغناء لكل ذي صوت جميل، تم تحطيمها وأصبح الغناء لكل من يمتلك القدرة على دفع ثمن " تعبية شريط". لا يوجد صوت مطلقًا ولا يمكن تسمية هذا غناء، ومع ذلك فإنه علينا قبول ذلك والا فلن نكون متحضرين!
4- التصوير: تعضد الطريقة التى صُوِرَت بها الأغنية كل ما سبق، حيث تم تصويرها فى ملهى ليلى، ولعل خشبة الرقص فى أى ملهى ليلي هي الصورة المجازية الأساسية المعبرة عن الحياة الغربية، خصوصًا وحين يكون الرقص بهذه العشوائية، يتحرك كل فرد كما يحلو له باعتبار هذا رقصًا، يتصادم مع غيره ربما، لكن لا يهم، لايهم أيضًا أن تتوافق حركة الجسد مع الموسيقى، انتهت تلك الأزمنة السعيدة التى كانت حركات الرقص فيها تتوافق مع الموسيقى، وفى الملهى الليلي كل شئ قابل للتفاوض وللبيع والشراء، ابتداءً بالخمر وانتهاءًا بالأجساد، فلا قداسة لأى شئ، فى الملهى الليلي الكل يتحرك، لكن ما الهدف؟
المتعة.. اللذة.. المنفعة
ولكن على الرغم من تلك الفوضى الظاهرة الى أنه يوجد من يحكم سيطرته على المكان، بلطجي أو زعيم عصابة غالبًا، توجد سلطة ما تعمل على فض المنازعات حفاظًا على استمرار الحركة وجني الأرباح وبقاء اللذة والمنفعة كقيمتين أساسيتين.
ذلك البلطجي أو زعيم العصابة هو ما يمثل فكرة " الدولة المركزية القومية الحديثة "، التى يبدو أنها أكبر اشتغالة فى التاريخ الحديث. ولكن هذه قصة أخرى.
________________
الى..
د. عبد الوهاب المسيري..
أستاذي العظيم.. علمك يُنتَفَعُ به وأجرك موصول الى يوم القيامة بإذن الله.
د. إيهاب يونس.. طالت الغيبة، دمتم ودام فضل علمكم علينا.
محمد علي.. لعلي لا أخيب ظنك.
نعيش الأن عصر " ما بعد الحداثة "، وهي مرحلة تاريخية بدأت مع نهاية الستينات من القرن الماضي، وتتميز بعدة سمات يمكن استبيانها من خلال تحليل بسيط لأغنية In da club، فنحن نذهب الى أن " فن " كل عصر يحمل سماته ومفاهيمه ورؤيته لذاته وللكون.
وقد اخترت هذه الأغنية بالذات لسبيين:
الأول هي أنها تقريبًا تحمل كل سمات حضارة عصر ما بعد الحداثة.
الثاني هي أنها أغنية شهيرة جدًا مما يسهل على كل من يقرأ أن يجدها ويحللها معي.
ولنبدأ بالتعريف..
أغنية In da club أحد أشهر أغاني مغني الراب الأمريكي 50cent، وتُغنى ، تسميتها بالأغنية هنا تجاوزًا، فى مساحة 4 دقائق
ولنبدأ معًا تحليلها..
1- الموسيقى: (ألية) بسيطة الى حد يثير الغيظ، رتيبة متكررة الى حد كبير، تشبه فى حركتها وتكرارها الممل حركة الآلة، والآلة هنا تمثل مفهومًا كامنًا فى الحضارة الغربية منذ بداية عصر التنوير، اذًا حركة الموسيقى رتيبة متكررة مملة، ولن أبالغ لو قلت أنها مادية الى حد كبير، وهو أمر معتاد فى الموسيقى والغناء الغربي بعامة حتى وإن ظهرت على السطح بعض التشكيلات الموسيقية المختلفة الا أنه فى خلفية الأغنية تستطيع، ان كنت تمتلك سماعة جيدة، أن تتبين نمطًا معينًا من النغم يتكرر برتابة مملة، وقد تسلل هذا النمط من التلحين الى غنائنا للأسف ضمن ما تسلل الينا أمور يتفاخر بها البعض لأنه يصبح بفعلها متحضرًا!
ويمكن بوضوح شديد تبين نغمة التكرار والرتابة الألية المقيتة من خلال سماع أخر دقيقة من الأغنية التى تتكرر فيها النغمة بشكل متعمد كأنها تقول لك: نحن نكرر أنفسنا لنغيظك!
وأحب أن أشير هنا الى نقطة أراها هامة، وهو موضوع التخليط الذى يحدث عمدًا فى أغاني بعض الفرق الغنائية المصرية الحديثة التى سمعتها ( "وسط البلد" أو "قص ولزق" على سبيل المثال) بين الموسيقى الشرقية والغربية، بنسب كبيرة جدًا للآلات الغربية، أوبين كلمات شرقية كشعر أو ذكر مثلا وبين موسيقى غربية، يمكن للمدافعين عن هذا أن يتحدثوا عن ثقافة السلام وتمازج الحضارات وكل هذا الهراء، يصبح هذه مفهومًا ومقبولاً من وجهة نظري اذا كان يوجد مقابل له، أى اذا وجدنا فرقًا غربية تزاوج بين الموسيقى الشرقية والغربية بهذه الطريقة، وبغير هذا فإن الأمر لا يعدو كونه صورة أخرى من صور الإنبطاح الحضاري للغرب.
يعضد وجهة نظري فى هذه النقطة جو هذه الحفلات ( الفنية) الغربي تمامًا وجمهورها الذي يتكون فى أغلبيته الساحقة من فئة الشباب المنتمي الى الطبقات الإجتماعية فوق المتوسطة والغنية والذي يبذل قصارى جهده للتشبه بالسادة فى مانهاتن!
2- الكلمات: ثمة تركيز شديد على الرغبات السفلى ( المال - الجنس - المخدرات )، يؤكد هذا على جوهر النموذج المعرفي الكامن للإنسان داخل المنظومة الفلسفية الغربية التى ردته الى عناصره المادية فحسب، وجعلت هدف حياته يدور حول مبدأي اللذة والمنفعة فقط، وقد اضطرت اذاعة عربية متخصصة فى بث الأغاني الأجنبية، حين اذاعتها لتلك الأغنية، أن تقطع منها لحيظات عديدة لإخفاء كلمات ك ( Sex- Fuck- Drugs) التى تكررت بكثرة على مسطح زمني يبلغ 4 دقائق تقريبًا هو زمن الأغنية، مما أفقد الأغنية أى معنى.
مما يلاحظ أيضًا أنه ثمة انفصال كامل بين طريقة ( الغناء) والموسيقى، فكل يسير فى طريقه، يمكن أن نضع هذا ضمن ما يطلق عليه د. عبد الوهاب المسيري ( انفصال الدال عن المدلول)، حيث أنه بما أننا فى عصر السيولة الشاملة حيث لا قواعد تحكم أى شئ، بالتالي يمكن وضع أى شئ بجوار أى شئ، بل وعلينا قبوله باعتباره " فن "، وربما لهذا السبب فإن الموسيقى الغربية ( يدخل ضمنها الغناء) مهما بلغت درجة جمالها لا تُطرِب، عكس الموسيقى الشرقية ( القديمة)، التى يجب أن تتمازج فيها الموسيقى والكلمات ولا تنفصل، حيث هناك هدف ما للأغنية، حيث هناك رؤية ما للكون.
ومما يلاحظ أيضًا طريقة نطق الكلمات، تلك اللهجة الغريبة، لست مجيدًا للإنجليزية لكنى أدعي القدرة على التمييز بين الإنجليزية الراقية، الإنجليزية الفصحى ان صح هذا التعبير والتى كان يتحدث بها الانجليز الى وقت قريب، وبين هذه اللهجة المسخ التى تمثل تحديًا لكل قواعد اللغة والنطق، مرة أخرى نحن ندور فى فلك فكرة تحطيم كل القواعد والمطلقات وأشباه المطلقات.
3- الصوت: عصر السيولة الشاملة يأتى لنا بكل جديد، فبعد أن كانت ( القاعدة ) هي أن الغناء لكل ذي صوت جميل، تم تحطيمها وأصبح الغناء لكل من يمتلك القدرة على دفع ثمن " تعبية شريط". لا يوجد صوت مطلقًا ولا يمكن تسمية هذا غناء، ومع ذلك فإنه علينا قبول ذلك والا فلن نكون متحضرين!
4- التصوير: تعضد الطريقة التى صُوِرَت بها الأغنية كل ما سبق، حيث تم تصويرها فى ملهى ليلى، ولعل خشبة الرقص فى أى ملهى ليلي هي الصورة المجازية الأساسية المعبرة عن الحياة الغربية، خصوصًا وحين يكون الرقص بهذه العشوائية، يتحرك كل فرد كما يحلو له باعتبار هذا رقصًا، يتصادم مع غيره ربما، لكن لا يهم، لايهم أيضًا أن تتوافق حركة الجسد مع الموسيقى، انتهت تلك الأزمنة السعيدة التى كانت حركات الرقص فيها تتوافق مع الموسيقى، وفى الملهى الليلي كل شئ قابل للتفاوض وللبيع والشراء، ابتداءً بالخمر وانتهاءًا بالأجساد، فلا قداسة لأى شئ، فى الملهى الليلي الكل يتحرك، لكن ما الهدف؟
المتعة.. اللذة.. المنفعة
ولكن على الرغم من تلك الفوضى الظاهرة الى أنه يوجد من يحكم سيطرته على المكان، بلطجي أو زعيم عصابة غالبًا، توجد سلطة ما تعمل على فض المنازعات حفاظًا على استمرار الحركة وجني الأرباح وبقاء اللذة والمنفعة كقيمتين أساسيتين.
ذلك البلطجي أو زعيم العصابة هو ما يمثل فكرة " الدولة المركزية القومية الحديثة "، التى يبدو أنها أكبر اشتغالة فى التاريخ الحديث. ولكن هذه قصة أخرى.
________________
الى..
د. عبد الوهاب المسيري..
أستاذي العظيم.. علمك يُنتَفَعُ به وأجرك موصول الى يوم القيامة بإذن الله.
د. إيهاب يونس.. طالت الغيبة، دمتم ودام فضل علمكم علينا.
محمد علي.. لعلي لا أخيب ظنك.
الأحد، ١ فبراير ٢٠٠٩
الأحد، ٢٥ يناير ٢٠٠٩
ما يمكنُ أن يكون..
" لتمام الظهور.. لابد من غياب "
** ** **
الغيطاني..
_________________
الى رفيدة .. خمسة وعشرون عامًا من الوجود المُعَطِرِ للوجود، وقد أصابني الشذي أخيرًا.. فسكرت.
عيد ميلاد سعيد يا صديقتي الرقيقة.
الى رفيدة .. خمسة وعشرون عامًا من الوجود المُعَطِرِ للوجود، وقد أصابني الشذي أخيرًا.. فسكرت.
عيد ميلاد سعيد يا صديقتي الرقيقة.
الثلاثاء، ٦ يناير ٢٠٠٩
المدَّونات الأخميمية..
".. وبها الأسماء الحاوية، المتضمّنة لنصوص المعارف والأحوال والوقائع السارية من عصر إلى عصر ومن موضع إلى موضع، المنتهي أمرها إلى الفقير لربه، المحتاج إليه، العبد المكمل، ثوبان - بن إبراهيم، الأخميمي مولدًا، الكوني أثرًا، المُكَّنَى بذي النون، من انتهى إليه علم قلم الطير المحفوف بالإسم الأعظم."
يشير إليّ أن أقترب فأدنو، يسلمني لفافتين من مادة وسط بين البردي والكتان كما بدت لي فيما بعد، يقول بصوت خفيض لكنه آمر.
"لك هذا..".
ثم قال:
"طالع بتأن ولا تشطح..".
ثم قال:
"لا تلزم..".
ثم قال:
"الزم..".
يشير إليّ أن أقترب فأدنو، يسلمني لفافتين من مادة وسط بين البردي والكتان كما بدت لي فيما بعد، يقول بصوت خفيض لكنه آمر.
"لك هذا..".
ثم قال:
"طالع بتأن ولا تشطح..".
ثم قال:
"لا تلزم..".
ثم قال:
"الزم..".
الأحد، ٤ يناير ٢٠٠٩
مصر والشام.. حقائق قديمة حان وقت التأكيد عليها (1-2)
".. ولكنك تعرف أكثر مني حقائق هذا العصر، بل وكل العصور قبله وبعده، وهي أنه عندما يريدها أحد " أن تكون أخر الحروب"، فمعنى ذلك أنه يعطي للآخرين فرصة أن يفرضوا عليه ما يريدون مطمئنين إلى أنه فى النهاية قابل بما يعرضونه طالما أنه ليس مستعدًا لما يترتب على عدم القبول . وحين تتعهد أمة بأنها لن تحارب دفاعًا عن مصالحها عند اللزوم، فالترجمة العملية لذلك أنها عطلت إرادتها حتى من قبل تبدأ لحظة تعارض الإرادات. ثم أنت أول من يعرف أن السلام موازين قوة، وأنه ليس هناك ما يحافظ عليه غيرها. والقول ب " نهاية الحروب" هو فى شكل من الأشكال وقوع فى محظور تجميد الحياة، وتوقف عجلة التاريخ عن الدوران. وأنا لا أقول إن الحياة والتاريخ كليهما حروب، وإنما أقول إنهما صراع. وفى مجرى أي صراع فإن القوة احتمال وارد، ولا يستطيع طرف، ولا يملك أن ينساه أو يتناساه."
هيكل متحدثًا إلى الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران
** ** **
أوضحت من قبل أن الأمور بعد حرب لبنان صيف 2006 أمست واضحة للجميع، معروف للجميع من هو محور " الخير "، ومن هو محور " الشر "، لأسباب مشابهة أنظر الى سفسطات رؤساء تحرير الصحف القومية المصرية بخصوص علاقة حماس وحزب الله وسوريا بإيران، أنظر إليها على أنها نوع من " نقار الديكة " بين جمهوري فريقين بينهما منافسة أزلية، الحق واضح لكل أعمى، لكن فى مثل هذه الجدالات يصبح الحق أخر ما يتمنى الطرف المخطئ الوصول إليه، يصدق فيهم قول الله تعالى " فإنّها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور "، على سبيل المثال خرجت أهرام الجمعة 2008/12/26 بافتتاحية كتبها رئيس تحريرها أسامة سرايا بعنوان " أوهام حماس "، لايمكن فصل ذلك عن مذبحة غزة التى بدأت فى اليوم التالي لهذه المقالة المستفزة، ككل مقالات أسامة سرايا فى الواقع، ولا تزال - المذبحة - جارية حتى لحظة كتابة هذه السطور، أى لليوم التاسع على التوالي.! سأبدأ من كلام هيكل العبقري المنقول أعلاه فأقول: أن كامب ديفيد بالشكل الذي خرجت به لم تكن مطلقًا فى خدمة مصر، أو القضية العربية عمومًا، اذ أنها متضمنة لاعتراف بوجود دولة اسرائيل، وهو ما لا يمكن قبوله، كما أن منطلقاتها تتمثل فيما ذكره هيكل، نحن نريدها أن تكون أخر الحروب، فعلينا اذًا تحمل ما يفرضه الأخرون!
نستطيع - ببساطة - ملاحظة تأثير ذلك على منحنى المطالب العربية الهابط، أو حتى الجهود العربية لحل القضية الفلسطينية، فبعد الحرب فى 1948، وبعد الهجوم، نجد أنها قد تحولت للدفاع فى 1956، ثم للهزيمة فى 1967، ثم لإنتصار جزئي - بفعل فاعل - فى 1973 ثم لخروج تام من المعركة من جانب مصر وانكماش داخل الحدود، وانغلاق على النفس، بعد معاهدة السلام 1979، وانحسار دورها من طرف أساسي فى المعركة الى مجرد وسيط غير نزيه بين حركتي المقاومة الفلسطينية فتح وحماس، والمقولة الشائعة بأن العرب قد أخطأوا حين لم يسمعوا كلام السادات ولم يذهبوا معه الى كامب ديفيد، ثم هم الأن يتمنون ربع ما كان سيحصل عليه لهم، وإن كانت صحيحة ظاهريًا، الا أنها تحمل فى طياتها اشارة الى حقيقتين فى غاية الخطورة:
1- انهيار قدرة المفاوض العربي، لم يعد هناك ما يمكن المفاوضة بشأنه، نحن نريد السلام، بأى ثمن، بأى شكل، أما الأخرون فهم لا يريدونه، أو يريدونه بالشكل الذى يحقق مصالحهم كاملة، بالتالي تقل الأمال الموضوعة على الطاولة، يصبح التفاوض هدفًا فى حد ذاته، التفاوض ثم التفاوض فالتفاوض، التفاوض الى الأبد، الى ما لانهاية، وبالتالي استمرارًا لمتتالية الهبوط يصبح الوصول الى التفاوض هدفًا!.
2- أن المصير العربي فى النهاية وفى التحليل الأخير مصري، بعد هزيمة يونيو 1967 خرجت قمة الخرطوم بلاءاتها الثلاث الشهيرة " لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بالعدو الصهيوني"، فى الواقع كانت هذه اللاءات الثلاث ترجمة للموقف المصري المتشدد وقتها، انقلب الموقف المصري 180 درجة بعدها حين وقع السادات معاهدة السلام التي هوجمت بسببها مصر وقوطعت من كل العرب لفترة، ثم هاهم العرب ذاتهم فى قمة بيروت 2002 - بعد اتفاقيتي مدريد1991، التى اعترف فيها العرب باسرائيل ضمنيًا حين وافقوا على مبدأ " الأرض مقابل السلام "، وأسلو1993 مرورًًا بمؤتمرات شرم الشيخ العديدة - يخرجون بمبادرة سلام هزيلة ترفضها اسرائيل دومًا، أو تعدل فيها بما يفقدها معناها، وكانت مبادرة بيروت أيضًا ترجمة للموقف المصري المتخاذل، وشتان بين الموقفين. بالتالي يصبح النظر الى مذبحة غزة الجارية الأن على أنها تجلي أزمة الضعف المصري هو النظرة الصحيحة، من وجهة نظري على الأقل. أقول أنه على مدار التاريخ كانت الشام تابعة لمصر، أو على الأقل يرتبط حكامها بعلاقة تبعية ولو روحية بمصر، نتيجة طبيعية لما سبقت الإشارة اليه من غنى الموضع المصري عن الشامي، الزراع أعلى حضاريًا من الملاحين بالتأكيد، أما يحدث الأن فهو مخالف لكل ما نعرف، لكل ما مر به التاريخ، يضم الشام عددًا من القوى والأنظمة كلها بلا استثناء - الا الموصومين بالخيانة - تعادي مصر، من الشمال سوريا، وتقف فى المعسكر المُعادي، يضم لبنان حزب الله، وهو الطرف الأقوى فى المعادلة اللبنانية الأن وهو أيضًا فى المعسكر المُعادي، أما فلسطين فتضم حماس، وهي الطرف الأقوى أيضًا وتقف فى المعسكر المُعادي، أما بالنسبة لإسرائيل فيحتاج الأمر الى أن تكون رئيسًا لتحرير صحيفة قومية مصرية حتى تقنعني أنها تحولت - بقدرة قادر - الى صديق! ما يحدث فى غزة غير طبيعي - ليس على مستوى الوحشية الإسرائيلية فهي مما نعرفه جيدًا - وانما على مستوى ضعف التحرك المصري، ما يحدث مخالف لألف باء الإستراتيجية، لأبسط ما يعرفه أى أحد عن أساسيات الأمن القومي لأى اقليم جغرافي سياسي موحد فى هيئة دولة! مخالف لما وضعه الإستراتيجي المصري الأعظم د. جمال حمدان من أساسيات الأمن القومي المصري.. يعبر د. جمال حمدان عن الموقف الجيوستراتيجي المصري كله فى ايجاز من خلال سلسلة من المعادلات الإستراتيجية النحو التالي:
- من يسيطر على فلسطين.. يهدد خط دفاع سيناء الأول
- من يسيطر على خط دفاع سيناء الأوسط.. يتحكم فى سيناء
- من يسيطر على سيناء.. يتحكم فى خط دفاع مصر الأخير
- من يسيطر على خط دفاع مصر الأخير.. يهدد الوادي
وهذه بالضبط " نواة نظرية الأمن القومي المصري "
يفسر د. جمال حمدان مكملاً فيقول: " إن موقع مصر مهدد أبدًا وبانتظام بالإجهاض والشلل الجزئي ما بقيت اسرائيل، خاصة وأنها تريد أن ترث دور قناة السويس نهائيًا، بل وتهدف إلى سرقة موقع مصر الجغرافي، ومن ثم يصبح المبدأ الإستراتيجي الأول فى نظرية الأمن القومي هو مرة أخرى: دافع عن سيناء تدافع عن القناة تدافع عن مصر جميعًا، وبالتالي لا ضمان الا بذهاب العدو." ويبدو أن د. جمال حمدان يتحدث من منظور الماضي حين كانت اسرائيل عدوة! بالتالي يصبح افتراض حسن النية فى التعامل المصري مع الموقف الحادث فى غزة نوعًا من العبث، فهو اما ينم عن جهل شديد بحقائق الأوضاع على الأرض ومدى تأثير ذلك على المستقبل، واما أنه تتم ادارة الموقف لتحقيق مصالح خاصة جدًا وضيقة جدًا، ليس منها بالتأكيد مصلحة مصر.
__________________________
الى..
مصر.. حينما كانت مصر التى أعرفها.
غزة.. وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
محمد فوزي.. لولاك لنسيتنى الكتابة
نستطيع - ببساطة - ملاحظة تأثير ذلك على منحنى المطالب العربية الهابط، أو حتى الجهود العربية لحل القضية الفلسطينية، فبعد الحرب فى 1948، وبعد الهجوم، نجد أنها قد تحولت للدفاع فى 1956، ثم للهزيمة فى 1967، ثم لإنتصار جزئي - بفعل فاعل - فى 1973 ثم لخروج تام من المعركة من جانب مصر وانكماش داخل الحدود، وانغلاق على النفس، بعد معاهدة السلام 1979، وانحسار دورها من طرف أساسي فى المعركة الى مجرد وسيط غير نزيه بين حركتي المقاومة الفلسطينية فتح وحماس، والمقولة الشائعة بأن العرب قد أخطأوا حين لم يسمعوا كلام السادات ولم يذهبوا معه الى كامب ديفيد، ثم هم الأن يتمنون ربع ما كان سيحصل عليه لهم، وإن كانت صحيحة ظاهريًا، الا أنها تحمل فى طياتها اشارة الى حقيقتين فى غاية الخطورة:
1- انهيار قدرة المفاوض العربي، لم يعد هناك ما يمكن المفاوضة بشأنه، نحن نريد السلام، بأى ثمن، بأى شكل، أما الأخرون فهم لا يريدونه، أو يريدونه بالشكل الذى يحقق مصالحهم كاملة، بالتالي تقل الأمال الموضوعة على الطاولة، يصبح التفاوض هدفًا فى حد ذاته، التفاوض ثم التفاوض فالتفاوض، التفاوض الى الأبد، الى ما لانهاية، وبالتالي استمرارًا لمتتالية الهبوط يصبح الوصول الى التفاوض هدفًا!.
2- أن المصير العربي فى النهاية وفى التحليل الأخير مصري، بعد هزيمة يونيو 1967 خرجت قمة الخرطوم بلاءاتها الثلاث الشهيرة " لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بالعدو الصهيوني"، فى الواقع كانت هذه اللاءات الثلاث ترجمة للموقف المصري المتشدد وقتها، انقلب الموقف المصري 180 درجة بعدها حين وقع السادات معاهدة السلام التي هوجمت بسببها مصر وقوطعت من كل العرب لفترة، ثم هاهم العرب ذاتهم فى قمة بيروت 2002 - بعد اتفاقيتي مدريد1991، التى اعترف فيها العرب باسرائيل ضمنيًا حين وافقوا على مبدأ " الأرض مقابل السلام "، وأسلو1993 مرورًًا بمؤتمرات شرم الشيخ العديدة - يخرجون بمبادرة سلام هزيلة ترفضها اسرائيل دومًا، أو تعدل فيها بما يفقدها معناها، وكانت مبادرة بيروت أيضًا ترجمة للموقف المصري المتخاذل، وشتان بين الموقفين. بالتالي يصبح النظر الى مذبحة غزة الجارية الأن على أنها تجلي أزمة الضعف المصري هو النظرة الصحيحة، من وجهة نظري على الأقل. أقول أنه على مدار التاريخ كانت الشام تابعة لمصر، أو على الأقل يرتبط حكامها بعلاقة تبعية ولو روحية بمصر، نتيجة طبيعية لما سبقت الإشارة اليه من غنى الموضع المصري عن الشامي، الزراع أعلى حضاريًا من الملاحين بالتأكيد، أما يحدث الأن فهو مخالف لكل ما نعرف، لكل ما مر به التاريخ، يضم الشام عددًا من القوى والأنظمة كلها بلا استثناء - الا الموصومين بالخيانة - تعادي مصر، من الشمال سوريا، وتقف فى المعسكر المُعادي، يضم لبنان حزب الله، وهو الطرف الأقوى فى المعادلة اللبنانية الأن وهو أيضًا فى المعسكر المُعادي، أما فلسطين فتضم حماس، وهي الطرف الأقوى أيضًا وتقف فى المعسكر المُعادي، أما بالنسبة لإسرائيل فيحتاج الأمر الى أن تكون رئيسًا لتحرير صحيفة قومية مصرية حتى تقنعني أنها تحولت - بقدرة قادر - الى صديق! ما يحدث فى غزة غير طبيعي - ليس على مستوى الوحشية الإسرائيلية فهي مما نعرفه جيدًا - وانما على مستوى ضعف التحرك المصري، ما يحدث مخالف لألف باء الإستراتيجية، لأبسط ما يعرفه أى أحد عن أساسيات الأمن القومي لأى اقليم جغرافي سياسي موحد فى هيئة دولة! مخالف لما وضعه الإستراتيجي المصري الأعظم د. جمال حمدان من أساسيات الأمن القومي المصري.. يعبر د. جمال حمدان عن الموقف الجيوستراتيجي المصري كله فى ايجاز من خلال سلسلة من المعادلات الإستراتيجية النحو التالي:
- من يسيطر على فلسطين.. يهدد خط دفاع سيناء الأول
- من يسيطر على خط دفاع سيناء الأوسط.. يتحكم فى سيناء
- من يسيطر على سيناء.. يتحكم فى خط دفاع مصر الأخير
- من يسيطر على خط دفاع مصر الأخير.. يهدد الوادي
وهذه بالضبط " نواة نظرية الأمن القومي المصري "
يفسر د. جمال حمدان مكملاً فيقول: " إن موقع مصر مهدد أبدًا وبانتظام بالإجهاض والشلل الجزئي ما بقيت اسرائيل، خاصة وأنها تريد أن ترث دور قناة السويس نهائيًا، بل وتهدف إلى سرقة موقع مصر الجغرافي، ومن ثم يصبح المبدأ الإستراتيجي الأول فى نظرية الأمن القومي هو مرة أخرى: دافع عن سيناء تدافع عن القناة تدافع عن مصر جميعًا، وبالتالي لا ضمان الا بذهاب العدو." ويبدو أن د. جمال حمدان يتحدث من منظور الماضي حين كانت اسرائيل عدوة! بالتالي يصبح افتراض حسن النية فى التعامل المصري مع الموقف الحادث فى غزة نوعًا من العبث، فهو اما ينم عن جهل شديد بحقائق الأوضاع على الأرض ومدى تأثير ذلك على المستقبل، واما أنه تتم ادارة الموقف لتحقيق مصالح خاصة جدًا وضيقة جدًا، ليس منها بالتأكيد مصلحة مصر.
__________________________
الى..
مصر.. حينما كانت مصر التى أعرفها.
غزة.. وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
محمد فوزي.. لولاك لنسيتنى الكتابة
الأحد، ٢٨ ديسمبر ٢٠٠٨
الأربعاء، ٢٤ ديسمبر ٢٠٠٨
مصطلح " الإستنارة " فى الخطاب الفلسفي العربي..
".. ولكننا نلاحظ أن الفكر العلماني العربي، حينما يقتبس من الغرب، فإنه على ما يبدو يتجاهل حقيقة أن مصطلحات الآخر ليست جزءًا من معجمه اللغوي وحسب، وإنما هي جزء من معجمه الحضاري والفلسفي أيضًا، ففكر الإستنارة وعصر النهضة يوضع عادةً في الأدبيات الغربية مقابل عصر الظلمات الوسيط.
نتساءل: هل العصر العباسي الأول - الذي يتزامن مع العصور الوسطى المظلمة فى الغرب - هو أيضًا بالنسبة لنا عصر ظلمات يتبعه عصر نهضة ثم عصر استنارة؟!.
إن اقتباس الصور المجازية على هذا النحو أمر فكاهي، يدل على أن بعض إخواننا العلمانيين العرب غير عقلانيين في إيمانهم بالغرب، حتى إنهم ينساقون للنقل بهذا الشكل دون تحكيم العقل!"
نتساءل: هل العصر العباسي الأول - الذي يتزامن مع العصور الوسطى المظلمة فى الغرب - هو أيضًا بالنسبة لنا عصر ظلمات يتبعه عصر نهضة ثم عصر استنارة؟!.
إن اقتباس الصور المجازية على هذا النحو أمر فكاهي، يدل على أن بعض إخواننا العلمانيين العرب غير عقلانيين في إيمانهم بالغرب، حتى إنهم ينساقون للنقل بهذا الشكل دون تحكيم العقل!"
د. عبد الوهاب المسيري
العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة
المجلد الأول: النظرية
العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة
المجلد الأول: النظرية
_________________
دار الشروق
الطبعة الثانية 2006
دار الشروق
الطبعة الثانية 2006
الثلاثاء، ٢٣ ديسمبر ٢٠٠٨
الأحد، ١٤ ديسمبر ٢٠٠٨
رآها.. فوقعت فى قلبه
تحميل على عالم الزيني بركات
صحن المسجد الأزهر..
أرفع يدي الى السماء متضرعًا وأصرخ فى سكون نفسي:
أى رب .. " إلا تصرف عني كيدهن أصبُ إليهن و أكن من الجاهلين"
ثم اتجهت الى شيخي وسألت بعينين مخذولتين:
- أى الفتن أشد؟
- الإمارة والسلطان.
- ثم أى؟
تفحصني بعينيه الصقريتين وقال ببطء: النساء.. أول فتنة بني اسرائيل كانت فى النساء
وحين قمت ناداني من خلفي ناصبًا سبابته فى ظهري كما تخيلت: أن احذر.. كيدهن عظيم.
** ** **
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم اجعل هذا البلد ءامنًا
" ديوان سر الشهاب الأعظم زكريا بن راضي كبير بصاصي السلطنة المصرية "
نبذة من رسالة تظلم وتهديد ووعيد وردت للزيني بركات ناظر الحسبة الشريفة من العارف بالله الشيخ أبو السعود الجارحي.
نبذة من رسالة تظلم وتهديد ووعيد وردت للزيني بركات ناظر الحسبة الشريفة من العارف بالله الشيخ أبو السعود الجارحي.
بسم الله الرحمن الرحيم
نبدأ بأن نشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له شهادة حق نقيمها فى كل حكم، وتحاور سيوفنا جاحديها فتنهض بالحجة عليهم وهم بكم. ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله أشرف من ائتمر بالعدل والإحسان أعدل آمر أمته بالوزن والقسط، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الأبرار الكرام الذين احتسبوا فى سبيل الله جل عنائهم وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد..
فإنك قد علمت حق المسلمين عليك فى نعمتك، وإنه كما أن لك علينا حق الطاعة، فإن لنا عليك حق السمع، فإن لم تسمع فقد خلعت بيديك طاعتك من أيدينا، ومحبتك من قلوبنا، وإنه ما دمت أنت المسئول أمام الله والسلطان عن المسلمين وأعراضهم وما يتعرضون له من سائر الفتن وكافة المحن والبلايا، فإني أحذرك من سؤاله يوم لا ينفع مال ولا بنون الى من أتى الله بقلب سليم، عن بيت العوالم الذى تركته مفتوحًا أمام المسجد يفتن المسلمين فى صلاتهم وعنها، وإني لمعيدٌ تذكيرك بحق المسلمين عليك، أولئك الذين حملوك على الأعناق يوم توليتك، وأمرك بحقي عليك أن تمنع بيت الله ذلك الأذى وتكفيه شره.
وبعد..
فإنك قد علمت حق المسلمين عليك فى نعمتك، وإنه كما أن لك علينا حق الطاعة، فإن لنا عليك حق السمع، فإن لم تسمع فقد خلعت بيديك طاعتك من أيدينا، ومحبتك من قلوبنا، وإنه ما دمت أنت المسئول أمام الله والسلطان عن المسلمين وأعراضهم وما يتعرضون له من سائر الفتن وكافة المحن والبلايا، فإني أحذرك من سؤاله يوم لا ينفع مال ولا بنون الى من أتى الله بقلب سليم، عن بيت العوالم الذى تركته مفتوحًا أمام المسجد يفتن المسلمين فى صلاتهم وعنها، وإني لمعيدٌ تذكيرك بحق المسلمين عليك، أولئك الذين حملوك على الأعناق يوم توليتك، وأمرك بحقي عليك أن تمنع بيت الله ذلك الأذى وتكفيه شره.
والسلام على من اتبع الهدى
كوم الجارح
خامس رجب921 هـ
كوم الجارح
خامس رجب921 هـ
** ** **
فاض الكيل..
وصرخت: أى رب،أأقف بباك، أتعلق بأستارك، و تعرض عليّ الفتنة؟!
أقف إمامًا، تعرفين اليوم أنى الإمام.. النافذة أمامي، يأتي نور العصر منها، أشاهد وراء خشبها المشغول بيتًا عظيمًا، تطل من مشربيته حورية، تعرفين اليوم أنى الإمام..
أصرخ بها: الله أكبر.. ترتعش يدي.. جفوني.. تتلجج الآيات فوق لساني.. حمدت الله أن العصر صلاة سرية والا كانت فضيحة طالب الأزهر غير قابلة للمحو.. أنظر خارج الخشب المشغول.. لا إراديًا.. كأنما هو السحر.. أرى جدارًا مصمتًا.. جدار بيت.. أعرفه جيدًا.. مشربية فى منتصفه.. أعرف أنك هناك.. خلفها.. بالأحمر المسيطر.. الأحمر الذى رأيتك به ذات ليلة شتوية مطيرة، كان يلتمع تحت أنوار الكلوبات.. حين دعوتنى، وركضت أنا، تسورني - لحظتها - ذعر مميت، تذكرت حكايا أمي عن جنيات أخر الليل، لعنت تأخرى الى ذلك الوقت، وحين وضعت جنبي ظللت أرتعش ليلتين.. أصابتنى حمى غامضة، لم يفلح معها الدواء، ولا وصفات الأعشاب، ثم استفقت فجأة. وبدأت أستعيد.. أفهم.. أى جنون؟!.. أى فرصة ذهبية أضعتها على نفسي، ومن أين لي بحورية أخرى تريدني أنا طالب الأزهر الفقير وأقسمت، إن عدتِ هدنا اليكِ.
الله أكبر.. أنحني للركوع.. تنحنين أمامي.. سمع الله لمن حمده.. أعتدل.. تعتدلين فجأة.. تمتد الهزة الى كل الأرجاء الساحرة، الشعر ليل بهيم لا تزينه النجوم، فالنهدين الصلبين الأملسين والبطن ثم الردف المكور.. الله أكبر.. وأراك كما تخيلت دومًا.. ساجدة.. ثم أستفيق.. أى رب: " إلا تصرف عنى كيدهن أصب اليهن وأكن من الخاسرين "
وحين خرجت وجدته ينتظرني، عرفت فيما بعد أنه شعبان، قال كلمة واحدة: الست تريدك!
- أى ست؟
أشار برأسه الى البيت وهو يغمز بعينيه، أى فرحة، الأحمر مسيطر، يقف كبقعة على حدود الأفق ثم يمتد ليبتلعه كله.. أى فرحة.. ثم هاجمنى ذعر مفاجئ..
تلفت حولى وقلت له: انتظر حتى لا يرانا أحد.
وصرخت: أى رب،أأقف بباك، أتعلق بأستارك، و تعرض عليّ الفتنة؟!
أقف إمامًا، تعرفين اليوم أنى الإمام.. النافذة أمامي، يأتي نور العصر منها، أشاهد وراء خشبها المشغول بيتًا عظيمًا، تطل من مشربيته حورية، تعرفين اليوم أنى الإمام..
أصرخ بها: الله أكبر.. ترتعش يدي.. جفوني.. تتلجج الآيات فوق لساني.. حمدت الله أن العصر صلاة سرية والا كانت فضيحة طالب الأزهر غير قابلة للمحو.. أنظر خارج الخشب المشغول.. لا إراديًا.. كأنما هو السحر.. أرى جدارًا مصمتًا.. جدار بيت.. أعرفه جيدًا.. مشربية فى منتصفه.. أعرف أنك هناك.. خلفها.. بالأحمر المسيطر.. الأحمر الذى رأيتك به ذات ليلة شتوية مطيرة، كان يلتمع تحت أنوار الكلوبات.. حين دعوتنى، وركضت أنا، تسورني - لحظتها - ذعر مميت، تذكرت حكايا أمي عن جنيات أخر الليل، لعنت تأخرى الى ذلك الوقت، وحين وضعت جنبي ظللت أرتعش ليلتين.. أصابتنى حمى غامضة، لم يفلح معها الدواء، ولا وصفات الأعشاب، ثم استفقت فجأة. وبدأت أستعيد.. أفهم.. أى جنون؟!.. أى فرصة ذهبية أضعتها على نفسي، ومن أين لي بحورية أخرى تريدني أنا طالب الأزهر الفقير وأقسمت، إن عدتِ هدنا اليكِ.
الله أكبر.. أنحني للركوع.. تنحنين أمامي.. سمع الله لمن حمده.. أعتدل.. تعتدلين فجأة.. تمتد الهزة الى كل الأرجاء الساحرة، الشعر ليل بهيم لا تزينه النجوم، فالنهدين الصلبين الأملسين والبطن ثم الردف المكور.. الله أكبر.. وأراك كما تخيلت دومًا.. ساجدة.. ثم أستفيق.. أى رب: " إلا تصرف عنى كيدهن أصب اليهن وأكن من الخاسرين "
وحين خرجت وجدته ينتظرني، عرفت فيما بعد أنه شعبان، قال كلمة واحدة: الست تريدك!
- أى ست؟
أشار برأسه الى البيت وهو يغمز بعينيه، أى فرحة، الأحمر مسيطر، يقف كبقعة على حدود الأفق ثم يمتد ليبتلعه كله.. أى فرحة.. ثم هاجمنى ذعر مفاجئ..
تلفت حولى وقلت له: انتظر حتى لا يرانا أحد.
** ** **
قرار:
أمر شيخ الأزهر بفصل الطالب " حسين ابراهيم الشرقاوي "، وتجريده من حق الراتب والجراية، وأن تستعيد الإدارة منه جبته وقفطانه اللتين تسلمهما لحظة دخوله الأزهر، وذلك لإرتكابه فعلاً مشينًا وجرمًا مهينًا لشرف الأزهر وكرامته، حيث ضبط وهو يدخل الى بيت صفية الراقصة عصر أمس.
أمر شيخ الأزهر بفصل الطالب " حسين ابراهيم الشرقاوي "، وتجريده من حق الراتب والجراية، وأن تستعيد الإدارة منه جبته وقفطانه اللتين تسلمهما لحظة دخوله الأزهر، وذلك لإرتكابه فعلاً مشينًا وجرمًا مهينًا لشرف الأزهر وكرامته، حيث ضبط وهو يدخل الى بيت صفية الراقصة عصر أمس.
والسلام على من اتبع الهدى
ينفذ فى ساعته وتاريخه
سابع ذى القعدة 921 هـ
ينفذ فى ساعته وتاريخه
سابع ذى القعدة 921 هـ
** ** **
قال شعبان هازئًا وقد رأى فصلى على الملأ: أسماك أبوك على اسم الحبيب بن الحبيب وتصنع هكذا.. اخص..
ثم الكلمة المحدقة كخطر قاتل، السوداء كليل بهيم، الساخرة المانعة الجامعة:
- الست تريدك
وحين سرت معه تكلم بلهجة الأمر: ستبيع هلاهيلك تلك وترسل ثمنها لأبيك الضرير فى البلد، وسوف ندبر لك عملاً معنا، والله المستعان.
ثم الكلمة المحدقة كخطر قاتل، السوداء كليل بهيم، الساخرة المانعة الجامعة:
- الست تريدك
وحين سرت معه تكلم بلهجة الأمر: ستبيع هلاهيلك تلك وترسل ثمنها لأبيك الضرير فى البلد، وسوف ندبر لك عملاً معنا، والله المستعان.
** ** **
" ودخل معه السجن فتيان "
** ** **
نأمر بالمعروف
وننهى عن المنكر
أمر الزيني بركات بن موسى
ناظر الحسبة الشريفة
ووالي القاهرة
ناظر الذودخانه
بهدم بيت صفية العالمة
الموجود أمام مسجد كرتباي
وذلك لدرء الفتنة عن المسلمين
** ** **
" ودخل معه السجن فتيان "
** ** **
نداء:
يا أهل مصرنأمر بالمعروف
وننهى عن المنكر
أمر الزيني بركات بن موسى
ناظر الحسبة الشريفة
ووالي القاهرة
ناظر الذودخانه
بهدم بيت صفية العالمة
الموجود أمام مسجد كرتباي
وذلك لدرء الفتنة عن المسلمين
** ** **
_____________________________
إهداء الى الغيطاني ويوسف ادريس
الأربعاء، ٢٦ نوفمبر ٢٠٠٨
السبت، ٢٢ نوفمبر ٢٠٠٨
فيروز تطفئ شمعتها الثالثة والسبعين..
الأربعاء، ١٩ نوفمبر ٢٠٠٨
القرضاوي - كعادته - متألقًا..
.. أيضًا هناك تغير المكان، وهو ما نص عليه علماؤنا السابقون بصراحة فى موجبات تغير الفتوى، فلا شك أن للبيئة المكانية تأثيرها فى الفكر والسلوك، ومن هنا نرى ان البدو مختلف عن الحضر، والريف مختلف عن المدينة، والبلاد الحارة تختلف عن البلاد الباردة، والشرق مختلف عن الغرب، ودار الإسلام غير دار الحرب، وغير دار العهد. وكل مكان من هذه الأماكن له تأثيره فى الحكم على خلاف مقابله، فلا يجمد العالم على فتوى واحدة، لا يغيرها ولا تحول عنها، بل لا بد أن نراعي هذه الإختلافات والتغيرات التى ذكرناها، ليتحقق العدل الذى تريده الشريعة، والمصلحة التى تهدف إليها فى كل أحكامها.
بين البدو والحضر:
وقد ذكر القرآن الكريم أثر البادية على أهلها، حين تحدث عن " الأعراب " فقال:" الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم "
وفى الحديث النبوي " من بدا جفا "
واذا كانت خطة الإسلام أن ينتقل بأهل البادية الى الحضارة، فكان كل من أسلم منهم يجب عليه أن يهاجر الى المدينة ليتعلم ويتمدن، وكان من كبائر الإثم أن يرتد الرجل أعرابيًا بعد هجرته، فلا غرو أن يكون للبادية أحكام غير أحكام الحضر، فيما للبداوة تأثير فيها.
ومما ذكره العلماء هنا: ما يتعلق بإنكار فريضة من فرائض الإسلام كالصلاة والزكاة والصيام والحج، لأنها معلوم من الدين بالضرورة، يستوى فى معرفتها الخاص والعام، فلا يكون إنكارها إلا تكذيبًا لله ورسوله، وهذا هو الكفر.
وكذلك تحدثوا عن البدوي فى شهادته على الحضري أو القروي. فقد منع بعض الفقهاء ذلك لان البدو لا يعرفون عادات أهل الحضر، وعاداتهم فى شئون حياتهم وما يجريى بينهم من تعاملات، وما يدور فى محيطهم من ألفاظ، فهو يشهد حينئذ بما لا يعلم. قالوا: إلا أن يكون البدوي ممن يداوم الإختلاف الى الحضر، ويخالط الناس، ويخالط الناس، ويشهد المجالس والمجامع، فإنه يصبح كالحضري، فقد تغيرت صفته بالمخالطة والمعايشة، فيتغير الحكم تبعًا لذلك.
فقد روى أبو داود وابن ماجة وغيرهما عن أبى هريرة مرفوعًا " لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ".
وقال بن القاسم: تجوز شهادة البدوي فى رؤية الهلال. وذلك لانتفاء الشبهة هنا، ولأن المسألة تتعلق بالعبادات لا المعاملات. وإن كنا شاهدنا فى عصرنا أن البدو يتسرعون فى الشهادة برؤية الهلال ولا يتثبتون. وكثيرًا ما ثبت الهلال بشهادتهم، ثم لم يره أحد فى الليلة التالية، التى تعد الليلة الثانية!.
ويدخل هنا حكم بإمامة البدوي أو الأعرابي للحضري، فقد قال الإمام القرطبي " إمامتهم - أى البدو - بأهل الحاضرة ممنوعة، لجهلم بالسنة وتركهم الجمعة. وكره بعضهم ذلك.
وقال مالك: لا يؤم وإن كان أقرأهم، خلافًا للثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي.
_________________________
عن " موجبات تغير الفتوى فى عصرنا "
د. يوسف القرضاوي
طبعة دار الشروق الأولى
2008
بين البدو والحضر:
وقد ذكر القرآن الكريم أثر البادية على أهلها، حين تحدث عن " الأعراب " فقال:" الأعراب أشد كفرًا ونفاقًا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم "
وفى الحديث النبوي " من بدا جفا "
واذا كانت خطة الإسلام أن ينتقل بأهل البادية الى الحضارة، فكان كل من أسلم منهم يجب عليه أن يهاجر الى المدينة ليتعلم ويتمدن، وكان من كبائر الإثم أن يرتد الرجل أعرابيًا بعد هجرته، فلا غرو أن يكون للبادية أحكام غير أحكام الحضر، فيما للبداوة تأثير فيها.
ومما ذكره العلماء هنا: ما يتعلق بإنكار فريضة من فرائض الإسلام كالصلاة والزكاة والصيام والحج، لأنها معلوم من الدين بالضرورة، يستوى فى معرفتها الخاص والعام، فلا يكون إنكارها إلا تكذيبًا لله ورسوله، وهذا هو الكفر.
وكذلك تحدثوا عن البدوي فى شهادته على الحضري أو القروي. فقد منع بعض الفقهاء ذلك لان البدو لا يعرفون عادات أهل الحضر، وعاداتهم فى شئون حياتهم وما يجريى بينهم من تعاملات، وما يدور فى محيطهم من ألفاظ، فهو يشهد حينئذ بما لا يعلم. قالوا: إلا أن يكون البدوي ممن يداوم الإختلاف الى الحضر، ويخالط الناس، ويخالط الناس، ويشهد المجالس والمجامع، فإنه يصبح كالحضري، فقد تغيرت صفته بالمخالطة والمعايشة، فيتغير الحكم تبعًا لذلك.
فقد روى أبو داود وابن ماجة وغيرهما عن أبى هريرة مرفوعًا " لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية ".
وقال بن القاسم: تجوز شهادة البدوي فى رؤية الهلال. وذلك لانتفاء الشبهة هنا، ولأن المسألة تتعلق بالعبادات لا المعاملات. وإن كنا شاهدنا فى عصرنا أن البدو يتسرعون فى الشهادة برؤية الهلال ولا يتثبتون. وكثيرًا ما ثبت الهلال بشهادتهم، ثم لم يره أحد فى الليلة التالية، التى تعد الليلة الثانية!.
ويدخل هنا حكم بإمامة البدوي أو الأعرابي للحضري، فقد قال الإمام القرطبي " إمامتهم - أى البدو - بأهل الحاضرة ممنوعة، لجهلم بالسنة وتركهم الجمعة. وكره بعضهم ذلك.
وقال مالك: لا يؤم وإن كان أقرأهم، خلافًا للثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي.
_________________________
عن " موجبات تغير الفتوى فى عصرنا "
د. يوسف القرضاوي
طبعة دار الشروق الأولى
2008
الأربعاء، ١٢ نوفمبر ٢٠٠٨
الأحد، ٩ نوفمبر ٢٠٠٨
يارفيق السهر.. ياعود
تبدأ فيروز ألبومها الرائع " ياترى نسينا " بأغنية شديدة الرقة اسمها " ياعود "، الأغنية مبنية بالكامل على عزف عود مذهل تتبعه فيروز بدخول شجي وكلمات أكثر رقة من النسيم، وتكتشف من التصفيق فى بداية الأغنية أنها مسجلة من حفل ما، أى أن هذه الروعة كانت مباشرة دون أى تدخل من تكنولوجيا الاستوديوهات.
تذكرت تلك الروعة ال live أمس أثناء حضوري لحفل موسيقي رائع بساقية الصاوي هو حفل " لقاء " لعبقري عود سكندري هو حازم شاهين، مع الفلوت الشامي - فلسطيني فيما أظن - لنيسم جلال..
بالنسبة لى الفلوت هو " ناي خواجاتي " وقد أبدع الإثنان فعلاً فى اخراج نوع الموسيقى التى تطرب، يختلف الطرب عن " الإستمتاع المستمتع " حتى.
للطرب طقوسه الخاصة..
أولاً.. الإستماع، ثم تسري الموسيقى الى القلب، يرسلها مع نبضاته الى كل الأرجاء الداخلية، والمحيطة
لتتمايل..
تمايل طبيعي هو غير مصطنع، تمايل يتناغم مع حركة الأوتار تحت أنامل العازف، وتر يبكي، ووتر يضحك.
ضبطت نفسي أكثر من مرة أمس أتمايل هكذا، ضبطت نفسي سعيدًا كطفل أمام لعبته الجديدة.
ساعة ونصف من السعادة الصافية التى قدمها لى اثنان لم يتلوثا بعد بالجو السائد، ويقدمان فنًا حقيقيًا يستحق أن يسمع ويرى، ويقدم للناس.
ونهاية لا يسعني سوى تقديم جزيل الشكر الى صديقي العزيز محمد محرز الذي دعاني الى هذا الحفل، وأخرجني من تحت ركام الحياة وتصادماتها التى لا تنتهي.
تذكرت تلك الروعة ال live أمس أثناء حضوري لحفل موسيقي رائع بساقية الصاوي هو حفل " لقاء " لعبقري عود سكندري هو حازم شاهين، مع الفلوت الشامي - فلسطيني فيما أظن - لنيسم جلال..
بالنسبة لى الفلوت هو " ناي خواجاتي " وقد أبدع الإثنان فعلاً فى اخراج نوع الموسيقى التى تطرب، يختلف الطرب عن " الإستمتاع المستمتع " حتى.
للطرب طقوسه الخاصة..
أولاً.. الإستماع، ثم تسري الموسيقى الى القلب، يرسلها مع نبضاته الى كل الأرجاء الداخلية، والمحيطة
لتتمايل..
تمايل طبيعي هو غير مصطنع، تمايل يتناغم مع حركة الأوتار تحت أنامل العازف، وتر يبكي، ووتر يضحك.
ضبطت نفسي أكثر من مرة أمس أتمايل هكذا، ضبطت نفسي سعيدًا كطفل أمام لعبته الجديدة.
ساعة ونصف من السعادة الصافية التى قدمها لى اثنان لم يتلوثا بعد بالجو السائد، ويقدمان فنًا حقيقيًا يستحق أن يسمع ويرى، ويقدم للناس.
ونهاية لا يسعني سوى تقديم جزيل الشكر الى صديقي العزيز محمد محرز الذي دعاني الى هذا الحفل، وأخرجني من تحت ركام الحياة وتصادماتها التى لا تنتهي.
الثلاثاء، ٤ نوفمبر ٢٠٠٨
عبقرية السجود..
من المعروف سلفا أن السجود هو أكثر أوضاع الصلاة اراحة للجسم حيث تكون جميع أطراف الجسم البارزة تقريبا مستندة الى الأرض فلا حاجة بها الى ذاتيتها أو الى قدراتها الذاتية العادية للثبات أو التوازن.. الذى عرفته منذ فترة بسيطة أيضا أن السجود هو أكثر اوضاع الصلاة.. ربما أوضاع الحياة اراحة للنفس أيضا..
كيف؟
(سبحان ربى الأعلى)
هل فكرت فى معناها من قبل؟
تستطيع تبين روعتها حين تفكر فى التضاد العبقرى بين وضعك الذليل وبين ما تقول ومن تذكر.. تستطيع تبين روعتها حين تفكر فى أنك الانسان بكل غروره تضع على الأرض جبهتك أعلى واشرف ما فيك فى ذل لذيذ - ان جاز التعبير - تبدأ فى ذكر الله أعلى وأكبر من فى الكون.. ووجوده تعالى فى السماء السابعة وأنت فى الأرض يعطى الأمر بعدا مكانيا محسوسا ومتعة أخرى فى أنك تتحدث الى من يبعدك تلك المسافة المهولة دون أى ساتر أو مانع.. ذلك التناقض الساحر يحمل فى طياته لا شك متعة كبيرة اذ أن الأمر فى النهاية يتعلق بالحديث مع الله..
والمثال الشهير(محاولاتك الوصول الى شخص ذى سلطة كبيرة) مازال قائما ولكن بشكل يختلف نوعا هنا.. فبينما ستحصل من صاحب المنصب الكبير على متعة دنيوية زائلة فانك ستحصل من الله ومعه تعالى على متعة دنيوية يومية متجددة فضلا عن المتعة الأخروية اللانهائية.. والأمر عادل جدا..كلما ازداد جهدك فى الوصول الى المتعة كلما حصلت على نصيب أكبر منها.. اذا.. فسبحان ربى الأعلى هى الباب الملكى فى السجود للعبور الى الله وهى - رغم عبقرية بساطتها وسحر تناقضاتها - لاتزال برأيي مفتاحا وتمهيدا لمتعة أكبر وهى الحديث مع الله هل جربته؟ بعد سبحان ربى الأعلى(ذكر الله والثناء عليه فى جملة بسيطة عبقرية من ثلاث كلمات فقط) وهذه هى الطريقة المثلى لبدء الحديث مع الملوك.. تبدا فى الحديث معه تعالى..
والحديث معه تعالى لا يعنى بالضرورة أن يكون دعاءً، بل حديث ودى عادى، احكى له عن حياتك العادية التى هو أعلم بكل تفاصيلها تأكيدا لكنك (تتلكك) للحديث معه تعالى..
هل جربت متعة ذلك؟ للأسف لايمكن تجريب هذه المتعة فى صلاة الجماعة نظرا لقصر وقت السجود بينما أنت تصلى وحدك فالوقت ممتد امامك الى ما شاء الله.. واذا كان دعاءا فانى افضله بالعامية.. بلغتى العادية التى أتكلم بها دوما.. وكلامى معه تعالى وهوالأعلم بحالى أحب أن أضمنه أدعية مبتكرة لأنى لا احب القوالب التى يضعنى فيها شيوخ الجوامع مع احترامى لهم فهذه هى علاقتى مع الله ولا لحق لأحد أن يتدخل فيها بدعوى حفظ الاحترام مع الله.. مع تكرار عملية الحديث مع الله تنشا علاقة جميلة معه تعالى لا أعرف كيف اصفها..
ولو كنت فى حل أن أصفه تعالى بصديق عزيز وحاشا أ ن يكون له مثل ليصادقه.. لكن الأمر جميل للغاية.. ويصبح الله تعالى بالنسبة اليك أحدا عزيزا غاليا لا تستطيع الاستغناء عنه أو الابتعاد..
اذًا.. فعبقرية السجود تكمن فى كونه بروفة دنيوية يومية للقاء الأخروى مع الله تعالى ومع محاولات الاستمتاع بالسجود يتحول من مجرد لقاء يوم القيامة الى لقاء الله تعالى فى الجنة باذن الله ويتبقى لك رؤية وجهه الكريم ساعتها لكن نور وجهه يسرى فى دمك دنيويا لأنك تلقاه يوميا واخيرا.. اذا كان الله قد كلم موسى عليه السلام مرة فان الله فضل أمة الاسلام ومن عليها بامكانية الحديث معه تعالى 34 مرة فى اليوم غير النوافل.
____________________
خاطرة قديمة كتبت فى شهر رمضان قبل عامين وفى ظروف خاصة جدًا، أعاني منذ فترة حالة مخففة مما يطلق عليه " قفلة الكاتب - The Writer Block " إن كان يجوز لى إطلاق لقب " كاتب " عليّ، ربما هى لعنة عدم تنفيذ الوعدD:، ثمة عدة أفكار للكتابة عن قاضي قرطبة نفذت احداها لكن لم تعجبني، وأنا الأن فى طور التنفيذ لأخرى، ولعل الله يمن علينا بالفتح بعد أن ننفذ الوعد الذى قطعناه على أنفسنا للأحبة.
كيف؟
(سبحان ربى الأعلى)
هل فكرت فى معناها من قبل؟
تستطيع تبين روعتها حين تفكر فى التضاد العبقرى بين وضعك الذليل وبين ما تقول ومن تذكر.. تستطيع تبين روعتها حين تفكر فى أنك الانسان بكل غروره تضع على الأرض جبهتك أعلى واشرف ما فيك فى ذل لذيذ - ان جاز التعبير - تبدأ فى ذكر الله أعلى وأكبر من فى الكون.. ووجوده تعالى فى السماء السابعة وأنت فى الأرض يعطى الأمر بعدا مكانيا محسوسا ومتعة أخرى فى أنك تتحدث الى من يبعدك تلك المسافة المهولة دون أى ساتر أو مانع.. ذلك التناقض الساحر يحمل فى طياته لا شك متعة كبيرة اذ أن الأمر فى النهاية يتعلق بالحديث مع الله..
والمثال الشهير(محاولاتك الوصول الى شخص ذى سلطة كبيرة) مازال قائما ولكن بشكل يختلف نوعا هنا.. فبينما ستحصل من صاحب المنصب الكبير على متعة دنيوية زائلة فانك ستحصل من الله ومعه تعالى على متعة دنيوية يومية متجددة فضلا عن المتعة الأخروية اللانهائية.. والأمر عادل جدا..كلما ازداد جهدك فى الوصول الى المتعة كلما حصلت على نصيب أكبر منها.. اذا.. فسبحان ربى الأعلى هى الباب الملكى فى السجود للعبور الى الله وهى - رغم عبقرية بساطتها وسحر تناقضاتها - لاتزال برأيي مفتاحا وتمهيدا لمتعة أكبر وهى الحديث مع الله هل جربته؟ بعد سبحان ربى الأعلى(ذكر الله والثناء عليه فى جملة بسيطة عبقرية من ثلاث كلمات فقط) وهذه هى الطريقة المثلى لبدء الحديث مع الملوك.. تبدا فى الحديث معه تعالى..
والحديث معه تعالى لا يعنى بالضرورة أن يكون دعاءً، بل حديث ودى عادى، احكى له عن حياتك العادية التى هو أعلم بكل تفاصيلها تأكيدا لكنك (تتلكك) للحديث معه تعالى..
هل جربت متعة ذلك؟ للأسف لايمكن تجريب هذه المتعة فى صلاة الجماعة نظرا لقصر وقت السجود بينما أنت تصلى وحدك فالوقت ممتد امامك الى ما شاء الله.. واذا كان دعاءا فانى افضله بالعامية.. بلغتى العادية التى أتكلم بها دوما.. وكلامى معه تعالى وهوالأعلم بحالى أحب أن أضمنه أدعية مبتكرة لأنى لا احب القوالب التى يضعنى فيها شيوخ الجوامع مع احترامى لهم فهذه هى علاقتى مع الله ولا لحق لأحد أن يتدخل فيها بدعوى حفظ الاحترام مع الله.. مع تكرار عملية الحديث مع الله تنشا علاقة جميلة معه تعالى لا أعرف كيف اصفها..
ولو كنت فى حل أن أصفه تعالى بصديق عزيز وحاشا أ ن يكون له مثل ليصادقه.. لكن الأمر جميل للغاية.. ويصبح الله تعالى بالنسبة اليك أحدا عزيزا غاليا لا تستطيع الاستغناء عنه أو الابتعاد..
اذًا.. فعبقرية السجود تكمن فى كونه بروفة دنيوية يومية للقاء الأخروى مع الله تعالى ومع محاولات الاستمتاع بالسجود يتحول من مجرد لقاء يوم القيامة الى لقاء الله تعالى فى الجنة باذن الله ويتبقى لك رؤية وجهه الكريم ساعتها لكن نور وجهه يسرى فى دمك دنيويا لأنك تلقاه يوميا واخيرا.. اذا كان الله قد كلم موسى عليه السلام مرة فان الله فضل أمة الاسلام ومن عليها بامكانية الحديث معه تعالى 34 مرة فى اليوم غير النوافل.
____________________
خاطرة قديمة كتبت فى شهر رمضان قبل عامين وفى ظروف خاصة جدًا، أعاني منذ فترة حالة مخففة مما يطلق عليه " قفلة الكاتب - The Writer Block " إن كان يجوز لى إطلاق لقب " كاتب " عليّ، ربما هى لعنة عدم تنفيذ الوعدD:، ثمة عدة أفكار للكتابة عن قاضي قرطبة نفذت احداها لكن لم تعجبني، وأنا الأن فى طور التنفيذ لأخرى، ولعل الله يمن علينا بالفتح بعد أن ننفذ الوعد الذى قطعناه على أنفسنا للأحبة.
الجمعة، ١٠ أكتوبر ٢٠٠٨
عيد ميلاد الكتابة..
2007-10-10
:
2008-10-10
:
2008-10-10
انه عيد ميلاد المدونة.. ويوم اتمام عامها الأول..
لا يسعني فى هذه اللحظة السعيدة سوى تقديم الشكر الى كل من ساهم وأبدى رأيًا.. ساخطًا كان أو مؤيدًا..
وإني لأهدي هذه الفرحة الى الله تعالى صاحب الفضل الأول فيها..
وربما يحسن التذكر:
"آلة الزمن".. تنبؤ غريب بأحوال مصر المعاصرة
مسيو ابراهيم وزهور القرآن
أفعال معتادة..
عن التطرف.. والتطرف!!
ثم دنا..
إليكما..
أثبتوا استحقاقكم لبنان..
إشكالية الفن.. فيلم "حين ميسرة" كنموذج
د. إيهاب يونس
حكمة إلهية خفية..
تقديرًا للسائق الذي فهم..
تشكيل هوية المملكة المسيحية داخل الإطار العالمي..
لبنان فى الإطار العالمي..
ها السيارة مش عم بتمشي..
مصر.. ثوابت نسيت فى الزمن الصعب
وجه أخر لعبقرية الإسلام..
د. جمال حمدان.. للجغرافيا مذاق النور
الإمبريالية كرسالة أخلاقية.. انجلترا نموذجًا (1)
الإمبريالية كرسالة أخلاقية.. انجلترا نموذجًا (2)
أشياء تصنع أيامي..
قوس قزح معطر..
أمنية الغيطاني المستحيلة.. وأمنيتي!
الأحد، ١٤ سبتمبر ٢٠٠٨
الأربعاء، ١٠ سبتمبر ٢٠٠٨
؟!
تحية الى كل الشهداء الذين ضحوا بأرواحهم فقط ليخبرونا أن هناك من يسرقها منا..
اهداء خاص جدا الى شهداء العبارة الغارقة السلام98 وأخص بالذكر منهم الشهيد أنس شعيب
****
تعرف هذا فى السماء الغائمة.. عيون من حولك.. تقرأه على صفحات جباههم التى كتبت عليها أقدارهم.. لو سألت أى حمار الأن لقال لك - ببساطة - السفينة تغرق.. هؤلاء مجموعة من الغرقى..
• سألنى والرعب يملأ وجهه: هل السفينة تغرق؟
نظرت له فى اشفاق..
هذا أحمق أخر يتمنى أن أقول له لا ليستريح..
لذا.. أجبته بمنتهى الاشفاق: بالتأكيد..
تركنى.. لم آبه به.. نحن الأن أقرب الى يوم الدينونة..
(دعك من تطمينات الطاقم.. هم - الأرجح - مجموعة من الحمقى)
فووووووووووو.. لا تنزعج.. ذلك صوت السفن حينما تنقلب على أحد جانبيها..
شخص ما يسأل:سيدى رئيس البحارة..هل السفينة تغرق؟
_لا..لا..اطمئن كل شئ تحت السيطرة..
كدت أشد فى شعرى..هذا هو الجنون بعينه..لكننى قررت عدم الاكتراث..
أحمق يسأل مجنونا..ماذا تتوقع..
البعض يقترح أن نذهب للجانب الأخر لنوازن السفينة..لكنك تعرف:
(لو سألت أى حمار الأن لقال لك_ببساطة_:
هذه السفينة تغرق..هؤلاء هم مجموعة من الغرقى)
النصيحة الثانية فى الكتيب غير المكتوب للأمان البحرى على السفن التى تحمل أعلاما بنمية:
قبطان السفينة التى تحمل أعلاما بنمية هو القبطان الوحيد الذى يستمر بالابحار رغم وجود حريق بمؤخرة سفينته..
نقطة أخرى:
للمرة المليون.. دعك من تطمينات الطاقم.. طوال عمرك تتلقى التطمينات.. لكن أحدا من هؤلاء الحمقى لايعيش الحياة كما تعيشها ولا يعرف كم هى سوداء كما تعرفها.
سيدى القبطان:هل السفينة تغرق؟
- لا.. لا.. اطمئن.. اطمئنوا جميعا.. كل شئ تحت السيطرة
- لكننا نرى نارًا فى المؤخرة؟!
فى ضجر واضح رد: ونحن نطفئها بأحدث الطرق العلمية.. نغرق المؤخرة فى الماء ثم نحاول انتشالها.. صحيح أنه هناك ثمة مشاكل فى انتشالها لكن اطمئنوا جميعا.. كل شئ تحت السيطرة..!
لم أعلق..
لو كان ذلك القبطان يعتقد أنه يتعامل مع مجموعة من الرضع فأنا لست منهم..
كنت طربوشًا يا عزيزى، السفينة تغرق، وأنت تستحق أن تكون معها، سفينة ليست بنمية وتحمل أعلامًا بنمية، طاقم من الحمقى، ركاب يصدقون تطمينات الطاقم، حريق فى المؤخرة، ميل وعدم اتزان على الماء، لو كان هناك كتالوج لكيفية غرق السفن التى تحمل أعلامًا بنمية لما تضمن أكثر من هذا.
نهايته..
الأن.. وقد أصبح الماء قريبا جدا منك، عليك بسترة النجاة.
قال لى فى رعب: السفينة تغرق..
- أنت عبقرى.. انها تغرق منذ قرنين.. ألم تعرف سوى الأن؟!.. هذا الشئ يصلح لأن يلعب به الأطفال فى أطباق مياههم.. لا أن يواجه البحر الحقيقى.. ربما كانت المراكب الورقية أكثر متانة منه.
- والعمل؟!
- لا شئ..عليك بسترة النجاة.
- لم يوزعوها..ياللمصيبة؟!
تمالكت أعصابى بصعوبة حتى أقول له فى غيظ مكتوم: اسمعنى يا عزيزى.. لو لم تحصل على سترة نجاة ستموت.
النصيحة الرابعة فى الكتيب غير المكتوب للأمان البحرى على السفن التى تحمل أعلاما بنمية:
وصلت الى الماء.. نهنئك بسلامة الوصول ونرجو عدم فك أربطة سترة النجاة.. وقت الرحلة الى النجاة أو الى الأخرة (حسب تأشيرة عزرائيل) يستغرق20 ساعة على الأقل.. لا أحد يتحرك لانقاذ غرقى سفينة تحمل أعلاما بنمية قبل مرور 20ساعة، هذه هى القواعد.. أنت لا تعرفها.. لذا نحن هنا لنقولها لك..
النصيحة الوحيدة لك الأن: حاول ألا تغرق أطول وقت ممكن، وقدر الإمكان - لأجلك - حاول تفادي أسماك القرش، لأنها شرسة جدًا هنا. نتمنى لك رحلة سعيدة..
ثمة عيون لهفى تنتظر أخبارا عن ذويها، عن - حتى - جثثهم
عيون حزينة عرفت بالحقيقة..
لم يعد هناك أب.. أم.. أخ.. زوج.. زوجة.. ابن.. حفيد
عيون فرحة بمالاقاة الأحبة لكنها - مع ذلك - تحاول مداراة فرحها مراعاة لحزن الأخرين.
وعيون ترتدى ربطات العنق وتنظر لك بشماتة قائلة:انها سفينة تحمل أعلاما بنمية، ماذا نفعل أكثر من هذا لنخبرك انها غير صالحة يا أحمق..
لكن..
كانت هاتان العينان تختلفان..
كانتا تريدان الفهم أكثر من أى شئ أخر..
قال لى فى هدوء وهو يضغط زر التسجيل فى جهازه: ليس ثمة ما يخيف.. استرخ.. استرخ تماما.. لن أستخدم معك أية وسيلة من الوسائل العلمية المعقدة التى تسمع بها.. كل ما فى الأمر أنك انسان تعرض لأزمة ما.. كل ما عليك هو أن تتكلم لتخرج منها.. قالوا لى أنك مذهول.. قالوا لى أنك لم تنطق بحرف واحد منذ أن نجوت..
لكن..لا يهم..
فترة من الصمت..
صوتى المتحشرج الذى لم يخرج منذ فترة خرج ليقول له وأنا أتفحص عيناه بشدة:أنت تريدنى أن أتكلم لأنك تريد الفهم.. ليس لأن هذا عملك.. ربما كان الأصح أن أخذ أنا منك الفزيتة..
ضحكت عيناه ضحكة خفيفة ثم أشار لى أن أتابع فتابعت مسترجعا الذكريات الأليمة: كل ما فى الأمر ان عبد الحميد لم يكن يستحق ذلك على الاطلاق.. لو كانت النجدة تقدمت5 دقائق فقط لكانت أنقذته.. لكنى أعذرهم..انهم يطبقون القواعد..
- أية قواعد؟
- قواعد انقاذ الحمقى الذين يثقون بسفينة تحمل أعلامًا بنمية، عشرون ساعة فى الماء عقاب لابأس به على الاطلاق لهم..
تابعت فى هدوء أكثر:أتعرف طوابير أفران العيش..صداقات عديدة تنشأ هناك للتغلب على الملل ولتمضية الوقت.. صداقتى أنا وعبد الحميد كانت كذلك.. سقط بجوارى فى الماء.. أنقذ معى الكثيرين..بكى معى الكثيرين.. سب معى مجموعة(............)الذين تأخروا عنا. .ثم لم يلبث أن أدرك أنه حان وقت الفراق وأن تذكرته الى الأخرة وأن نداء رحلته هو أقوى من الجميع.
صعيديا كان.. لهجته- رغمًا عنه - تذكرك بالأرض.. وجهه الملئ بطمى النيل يذكرك - رغما عنك - بالأرض السمراء التى أنجبته..
حكى لى عن كل شئ فى حياته.. زوجته.. أولاده.. شقيقاته التى تغرب لأجلهن وهاهو يعود نهائيا بعد أن احتفل بزفاف صغراهن العام الماضى..
قطعة الأرض التى يحلم بها.. التليفزيون والفيديون والثلاجة الذين بعثهم لأولاده الشهر الماضى..
بلهجة تقطر دموعا تابعت: لسبب ما أحببته.. لسبب ما عشقت الأرض التى تتبدى فى كل حركاته وسكناته..لذا لم أصدق أن تتحول كل هذه الحيوية والحياة والأرض الى مجرد رقم فى نشرة أخبار..
جثة حتى لن يجدها أحد.. لن يكون له قبر يزوره أقاربه.. أبنائه.. شقيقاته التى تغرب لأجلهن.. لن يذهبوا ليزوروه فى الأعياد، لن يقرأو على قبره الفاتحة، لن تدوم فرحتهم بابن أخته الصغرى الذي أنجبته منذ شهرين.
- ثم؟
- ثم مات..غرق
- وبالتالى انت تعتبر نفسك مسؤلا عن موته لأنك لم تنقذه مع أنك فعلت كل ما بوسعك لانقاذه.. القصة دائما هكذا.
- أقسم أننى كدت أغرق مع جثته لولا أن نبهتنى غريزة البقاء الى ما أنا مقدم عليه فى أخر لحظة..
- لم أقل سوى هذا.. اذا أنت تعانى من عقدة ذنب لم ترتكبه.
- نعم!
- وتعرف أنك تعانى من عقدة ذنب لم ترتكبه بدليل أنك تعرف أنك كدت تغرق مع جثته..
- ..................
- وتريدنى أن أحل لك هذه المشكلة..
- جئتك لأننى رأيت فى عينيك الرغبة فى الفهم..الفهم يحتاج الى معلومات وها أنت قد حصلت عليها..
ها.. هل فهمت لماذا غرقت السفينة بنا؟
أجاب فى سخرية واضحة: مجرد سوء حظ..سوء تقدير.
أنت نفسك قلت أنك رأيت العيون التى ترتدى ربطات العنق وتنظر لك بشماتة قائلة:انها سفينة تحمل أعلاما بنمية.. ماذا نفعل أكثر من هذا لنخبرك أنها غير صالحة يا أحمق؟!
البراكين تثور والبشر العاديين هم أكثر المتضررين من أثارها المدمرة لكن أحدا باستثناء العلماء يعرف لماذا تثور..
كذلك السفن.. تغرق ولا أحد باستثناء علمائها وفنييها والمحققين في كوراثها.. لكن غرق السفن التى تحمل أعلامًا بنمية بينما هى ليست بنمية ليس علمًا صعبا، هذا نوع من الرياضيات السهلة التى نعلمها لأولادنا فى الابتدائية.
1+1=2 بكل تأكيد.
سألته وأنا مبهور بهذه الاستنتاجات العبقرية: والخلاصة؟
أخذ نفسا عميقا من أنفه وقال فى هدوء شديد: لا يحتاج المرء الى عبقرية أينشتين ليعرف أن سبب غرق سفينة تحمل أعلامًا بنمية هو أنها تحمل أعلامًا بنمية!
ثم تسائل مقربًا عينه من عينى وهو يشير بسبابته الى رأسه:هل فهمت؟
تمت بحمد الله
القاهرة فى23 مارس2006
اهداء خاص جدا الى شهداء العبارة الغارقة السلام98 وأخص بالذكر منهم الشهيد أنس شعيب
****
تعرف هذا فى السماء الغائمة.. عيون من حولك.. تقرأه على صفحات جباههم التى كتبت عليها أقدارهم.. لو سألت أى حمار الأن لقال لك - ببساطة - السفينة تغرق.. هؤلاء مجموعة من الغرقى..
• سألنى والرعب يملأ وجهه: هل السفينة تغرق؟
نظرت له فى اشفاق..
هذا أحمق أخر يتمنى أن أقول له لا ليستريح..
لذا.. أجبته بمنتهى الاشفاق: بالتأكيد..
تركنى.. لم آبه به.. نحن الأن أقرب الى يوم الدينونة..
****
النصيحة الأولى فى الكتيب غير المكتوب للأمان البحرى على السفن التى تحمل أعلامًا بنمية:(دعك من تطمينات الطاقم.. هم - الأرجح - مجموعة من الحمقى)
فووووووووووو.. لا تنزعج.. ذلك صوت السفن حينما تنقلب على أحد جانبيها..
شخص ما يسأل:سيدى رئيس البحارة..هل السفينة تغرق؟
_لا..لا..اطمئن كل شئ تحت السيطرة..
كدت أشد فى شعرى..هذا هو الجنون بعينه..لكننى قررت عدم الاكتراث..
أحمق يسأل مجنونا..ماذا تتوقع..
البعض يقترح أن نذهب للجانب الأخر لنوازن السفينة..لكنك تعرف:
(لو سألت أى حمار الأن لقال لك_ببساطة_:
هذه السفينة تغرق..هؤلاء هم مجموعة من الغرقى)
النصيحة الثانية فى الكتيب غير المكتوب للأمان البحرى على السفن التى تحمل أعلاما بنمية:
قبطان السفينة التى تحمل أعلاما بنمية هو القبطان الوحيد الذى يستمر بالابحار رغم وجود حريق بمؤخرة سفينته..
نقطة أخرى:
للمرة المليون.. دعك من تطمينات الطاقم.. طوال عمرك تتلقى التطمينات.. لكن أحدا من هؤلاء الحمقى لايعيش الحياة كما تعيشها ولا يعرف كم هى سوداء كما تعرفها.
سيدى القبطان:هل السفينة تغرق؟
- لا.. لا.. اطمئن.. اطمئنوا جميعا.. كل شئ تحت السيطرة
- لكننا نرى نارًا فى المؤخرة؟!
فى ضجر واضح رد: ونحن نطفئها بأحدث الطرق العلمية.. نغرق المؤخرة فى الماء ثم نحاول انتشالها.. صحيح أنه هناك ثمة مشاكل فى انتشالها لكن اطمئنوا جميعا.. كل شئ تحت السيطرة..!
لم أعلق..
لو كان ذلك القبطان يعتقد أنه يتعامل مع مجموعة من الرضع فأنا لست منهم..
****
لو سألت أى حمار الأن لقال لك - ببساطة -:
هذه السفينة تغرق، هؤلاء مجموعة من الغرقى.
هذه السفينة تغرق، هؤلاء مجموعة من الغرقى.
****
النصيحة الثالثة فى الكتيب غير المكتوب للأمان البحرى على السفن التى تحمل أعلاما بنمية:كنت طربوشًا يا عزيزى، السفينة تغرق، وأنت تستحق أن تكون معها، سفينة ليست بنمية وتحمل أعلامًا بنمية، طاقم من الحمقى، ركاب يصدقون تطمينات الطاقم، حريق فى المؤخرة، ميل وعدم اتزان على الماء، لو كان هناك كتالوج لكيفية غرق السفن التى تحمل أعلامًا بنمية لما تضمن أكثر من هذا.
نهايته..
الأن.. وقد أصبح الماء قريبا جدا منك، عليك بسترة النجاة.
قال لى فى رعب: السفينة تغرق..
- أنت عبقرى.. انها تغرق منذ قرنين.. ألم تعرف سوى الأن؟!.. هذا الشئ يصلح لأن يلعب به الأطفال فى أطباق مياههم.. لا أن يواجه البحر الحقيقى.. ربما كانت المراكب الورقية أكثر متانة منه.
- والعمل؟!
- لا شئ..عليك بسترة النجاة.
- لم يوزعوها..ياللمصيبة؟!
تمالكت أعصابى بصعوبة حتى أقول له فى غيظ مكتوم: اسمعنى يا عزيزى.. لو لم تحصل على سترة نجاة ستموت.
النصيحة الرابعة فى الكتيب غير المكتوب للأمان البحرى على السفن التى تحمل أعلاما بنمية:
وصلت الى الماء.. نهنئك بسلامة الوصول ونرجو عدم فك أربطة سترة النجاة.. وقت الرحلة الى النجاة أو الى الأخرة (حسب تأشيرة عزرائيل) يستغرق20 ساعة على الأقل.. لا أحد يتحرك لانقاذ غرقى سفينة تحمل أعلاما بنمية قبل مرور 20ساعة، هذه هى القواعد.. أنت لا تعرفها.. لذا نحن هنا لنقولها لك..
النصيحة الوحيدة لك الأن: حاول ألا تغرق أطول وقت ممكن، وقدر الإمكان - لأجلك - حاول تفادي أسماك القرش، لأنها شرسة جدًا هنا. نتمنى لك رحلة سعيدة..
****
من بين كل العيون التى رأيتها منذ وطئت قدماى الأرض كانت هاتان العينان تختلفان..ثمة عيون لهفى تنتظر أخبارا عن ذويها، عن - حتى - جثثهم
عيون حزينة عرفت بالحقيقة..
لم يعد هناك أب.. أم.. أخ.. زوج.. زوجة.. ابن.. حفيد
عيون فرحة بمالاقاة الأحبة لكنها - مع ذلك - تحاول مداراة فرحها مراعاة لحزن الأخرين.
وعيون ترتدى ربطات العنق وتنظر لك بشماتة قائلة:انها سفينة تحمل أعلاما بنمية، ماذا نفعل أكثر من هذا لنخبرك انها غير صالحة يا أحمق..
لكن..
كانت هاتان العينان تختلفان..
كانتا تريدان الفهم أكثر من أى شئ أخر..
قال لى فى هدوء وهو يضغط زر التسجيل فى جهازه: ليس ثمة ما يخيف.. استرخ.. استرخ تماما.. لن أستخدم معك أية وسيلة من الوسائل العلمية المعقدة التى تسمع بها.. كل ما فى الأمر أنك انسان تعرض لأزمة ما.. كل ما عليك هو أن تتكلم لتخرج منها.. قالوا لى أنك مذهول.. قالوا لى أنك لم تنطق بحرف واحد منذ أن نجوت..
لكن..لا يهم..
فترة من الصمت..
صوتى المتحشرج الذى لم يخرج منذ فترة خرج ليقول له وأنا أتفحص عيناه بشدة:أنت تريدنى أن أتكلم لأنك تريد الفهم.. ليس لأن هذا عملك.. ربما كان الأصح أن أخذ أنا منك الفزيتة..
ضحكت عيناه ضحكة خفيفة ثم أشار لى أن أتابع فتابعت مسترجعا الذكريات الأليمة: كل ما فى الأمر ان عبد الحميد لم يكن يستحق ذلك على الاطلاق.. لو كانت النجدة تقدمت5 دقائق فقط لكانت أنقذته.. لكنى أعذرهم..انهم يطبقون القواعد..
- أية قواعد؟
- قواعد انقاذ الحمقى الذين يثقون بسفينة تحمل أعلامًا بنمية، عشرون ساعة فى الماء عقاب لابأس به على الاطلاق لهم..
تابعت فى هدوء أكثر:أتعرف طوابير أفران العيش..صداقات عديدة تنشأ هناك للتغلب على الملل ولتمضية الوقت.. صداقتى أنا وعبد الحميد كانت كذلك.. سقط بجوارى فى الماء.. أنقذ معى الكثيرين..بكى معى الكثيرين.. سب معى مجموعة(............)الذين تأخروا عنا. .ثم لم يلبث أن أدرك أنه حان وقت الفراق وأن تذكرته الى الأخرة وأن نداء رحلته هو أقوى من الجميع.
صعيديا كان.. لهجته- رغمًا عنه - تذكرك بالأرض.. وجهه الملئ بطمى النيل يذكرك - رغما عنك - بالأرض السمراء التى أنجبته..
حكى لى عن كل شئ فى حياته.. زوجته.. أولاده.. شقيقاته التى تغرب لأجلهن وهاهو يعود نهائيا بعد أن احتفل بزفاف صغراهن العام الماضى..
قطعة الأرض التى يحلم بها.. التليفزيون والفيديون والثلاجة الذين بعثهم لأولاده الشهر الماضى..
بلهجة تقطر دموعا تابعت: لسبب ما أحببته.. لسبب ما عشقت الأرض التى تتبدى فى كل حركاته وسكناته..لذا لم أصدق أن تتحول كل هذه الحيوية والحياة والأرض الى مجرد رقم فى نشرة أخبار..
جثة حتى لن يجدها أحد.. لن يكون له قبر يزوره أقاربه.. أبنائه.. شقيقاته التى تغرب لأجلهن.. لن يذهبوا ليزوروه فى الأعياد، لن يقرأو على قبره الفاتحة، لن تدوم فرحتهم بابن أخته الصغرى الذي أنجبته منذ شهرين.
- ثم؟
- ثم مات..غرق
- وبالتالى انت تعتبر نفسك مسؤلا عن موته لأنك لم تنقذه مع أنك فعلت كل ما بوسعك لانقاذه.. القصة دائما هكذا.
- أقسم أننى كدت أغرق مع جثته لولا أن نبهتنى غريزة البقاء الى ما أنا مقدم عليه فى أخر لحظة..
- لم أقل سوى هذا.. اذا أنت تعانى من عقدة ذنب لم ترتكبه.
- نعم!
- وتعرف أنك تعانى من عقدة ذنب لم ترتكبه بدليل أنك تعرف أنك كدت تغرق مع جثته..
- ..................
- وتريدنى أن أحل لك هذه المشكلة..
- جئتك لأننى رأيت فى عينيك الرغبة فى الفهم..الفهم يحتاج الى معلومات وها أنت قد حصلت عليها..
ها.. هل فهمت لماذا غرقت السفينة بنا؟
أجاب فى سخرية واضحة: مجرد سوء حظ..سوء تقدير.
أنت نفسك قلت أنك رأيت العيون التى ترتدى ربطات العنق وتنظر لك بشماتة قائلة:انها سفينة تحمل أعلاما بنمية.. ماذا نفعل أكثر من هذا لنخبرك أنها غير صالحة يا أحمق؟!
البراكين تثور والبشر العاديين هم أكثر المتضررين من أثارها المدمرة لكن أحدا باستثناء العلماء يعرف لماذا تثور..
كذلك السفن.. تغرق ولا أحد باستثناء علمائها وفنييها والمحققين في كوراثها.. لكن غرق السفن التى تحمل أعلامًا بنمية بينما هى ليست بنمية ليس علمًا صعبا، هذا نوع من الرياضيات السهلة التى نعلمها لأولادنا فى الابتدائية.
1+1=2 بكل تأكيد.
سألته وأنا مبهور بهذه الاستنتاجات العبقرية: والخلاصة؟
أخذ نفسا عميقا من أنفه وقال فى هدوء شديد: لا يحتاج المرء الى عبقرية أينشتين ليعرف أن سبب غرق سفينة تحمل أعلامًا بنمية هو أنها تحمل أعلامًا بنمية!
ثم تسائل مقربًا عينه من عينى وهو يشير بسبابته الى رأسه:هل فهمت؟
تمت بحمد الله
القاهرة فى23 مارس2006
الأحد، ١٠ أغسطس ٢٠٠٨
قوس قزح معطر..
تستدير الحكاية..
كهيئتها الأولى تبدو ..
وأبدو أنا كقاتل.. نعم أنا قاتل..
أتطلع الى الجدران.. ( تسند اليها فى ذهابه الأخير )
الطلاء أبيض، وكل طلاء المستشفيات أبيض، لا تعرف ان كان هذا لمداراة سواد الحزن الذي يطبق عليها دومًا ويترك آثره فى طلائها، أم أن الجدران عندنا فقط - في فلسطين - تكتسب لونها من زغاريد فرحة الإستشهاد.
أتطلع الى الجدران. أحاول التركيز. أى أثر تركته أصابعه النحيلة على الجدار. لو وجدته لقضيت أيامي كلها فى البكاء عنده. لصنعت منه حائط مبكى أخر. حقيقى هذه المرة.أتذكر حكمته الدائمة: لو كانت الكلمات تقتل لما استطعنا جمع أشلاء اسرائيل بملقاط، لكنك ترى معي أولاد الكلب هؤلاء يريردون منعنا حتى من الكلام.
الجد نجاح كان عجوزًا، فى الثمانين من عمره كما أخبرني. جاؤوني به وأخبروني أن اليهود قد ضربوا منزله بصاروخ. فقد اصبعين من يده اليمنى، ويده اليسرى، ملابسه عبارة عن خرقة معفرة، كان يتلو وأنا أضمد جراحه. لمست حقنة البنج جلده فتأوه بعمق جعلني أرتعب. تحمل ملامحه أثار جروح قديمة. ( قال لى فيما بعد أن ندبتين من ندبات وجهه قد ظهرتا بعد استشهاد زوجته وحفيده الأكبر)، أما قدماه فمليئة بحفر صنعتها الرصاصات. حين أفاق طلبت منه - تسرية عنه - أن يحدثني عن العمر الفائت.انطلقت منه أهة خفيفة لا أعرف ان كانت من الجسد أم من تألم الذكريات. يمتلك ذاكرة خرافية. حدثني عن قضاء يافا حيث ولد. كيف كانوا يزرعون البرتقال؟ كيف كان الإنجليز - أولاد الحرام - يأخذون برتقال يافا - أحسن برتقال فى العالم - بأبخس الأثمان، وكيف جاء اليهود. كان فى العشرين من عمره حين وقعت النكبة، فقد فيها بصديق عمره الصغير- وقتها - حسين، وفقد فيها ما هو أهم. فقد يافا. وأحيانًا كان يضحك. أنظر له متعجبًا: ومالذى يضحكك يا جد؟ اليهود - أولاد الكلب - لهم الأن ثمانين عامًا يحاولون قتلي ولم يعرفوا، ضربوا البيت فى المرة الاولى، وعمرته،ضربوه ثانية، فعمرته، الأن ضربوه الثالثة، ولا أعرف ان كان الله سيعطيني القدرة على أن أعمره ثالثة أم لا.
- أطال الله فى عمرك يا جد.
ثم طلب مني أن آذن له بالخروج لأنه يرى أنه قد تحسن، كما أن هناك من أهم أحوج منه الى سريره. قلت ألا تريد أن تنورنا قليلاً حتى نطمئن عليك يا جد، ثم اين تذهب؟! البيت اصبح طللاً لا يصلح للسكنى.
ألمح في عينيه غضبًا خافتًا، ثم تصميمًا..
- سأعمره، ولو ضربوه ألف مرة وكان بداخلي نفس واحد يتردد سأعمره.أحاول التخفيف عنه لكنه يصر أن يخرج. لم أر أن حالته تستدعي البقاء أكثر كما أنه بالفعل هناك من هم أحوج منه الى سريره.
قلت: فلأوصلك يا جد الى بيتي تستريح قليلاً، وغدًا نر ما يمكن فعله.
بتصميم رد: لا.. سأبيت فى بيتي
- !!!!
ثم بلهجة تضرع أب الى ولده: أوصلني اليه.
ومن فى غزة كلها لا يعرف بيت الجد نجاح. فى الطريق وجدته يبكي. احترمت بكائه ولم أشأ السؤال عن السبب تطفلاً، ثم انه ليس غريبًا أن يبكي المرأ فى فلسطين، الغريب ألا يبكي.
لكنه أجاب عن تساؤلاتي كلها بإشارة واحدة الى جدار متهدم وقال بصوت مبحوح: هنا استشهد محمود حفيدي، كان يصد اجتياحًا يهوديًا معتادًا، جائني به زملاءه - أو بما تبقى منه - من وهم يبكون وحكوا الحكاية. نفدت ذخيرته ولم ينفد جنود العدو بعد. بقيت معه قنبلة يدوية واحدة. نظر وراءه فرأى بيت أم علي الشهيد. زوجها قعيد لإصابة سابقة. بقية أسرتها بنات. لو عرفوا أنه حاربهم من هنا فسيهدمون البيت على من فيه ظنًا أن من فيه قدموا له المساعدة. قام بحركة التفاف رائعة، اعمى الله بها أعداءه عنه، ثم نزع فتيل القنبلة وحشرها فى حزامه وانقض بها على 3 من جنود العدو وهو يصيح الله أكبر، فقتلهم جميعًا، وحمى الأسرة الضعيفة من شرورهم.جاءت أمه على عجل لترى ما تبقى من ابنها، لم تلمح سوى ابتسامة على وجهه، زغردت، وزغردت معها كل نساء الحي.
التفت لأرى بيته أمامي، يقف وحيدًا شامخًا. طلل شامخ، ككرامتنا. رأيت نظرة عينيه تحثني أن اسرع الخطي، أوصلته وأجلسته الى بقايا جدار متهدم، ثم طلب مني أن أعود الى المستشفى، فهناك يحتاجونني أكثر.أو تبقى هنا وحدك يا جد؟! هذه أرضي يا ولد، صحيح أنني من هناك.( يشير الى الشمال ) من يافا. لكن فلسطين كلها أرضي. ثم من سيفكر أن يضرب طللاً كهذا، هناك بيوت كثيرة تحتاج الى صواريخ، ثم من يدري؟ ( يضحك بمرارة ) ربما هم ينتظرون أن أعيد بناءه حتى يضربوه ثانية.
نظرت اليه فى اشفاق. يحاول أن يداري دمعة فى عينيه لكنها تعانده وتسقط على خده، أسرع اليه بمنديلي الورقي، لكنه يرفض يدي الممتدة اليه ويخبرني أن هذه الدموع هي ما تذكره بأن له حقًا على اليهود، وسيأخذه، وله ثأر عند اليهود، وسيسفك فى سبيله دماء اليهود كلها لو استطاع.تصنعت الحزم مع نفسي - حتى لا أنفجر باكيًا - ثم استأذنته فى الرحيل فأذن.
وأه من فعل الرحيل هذا، كم كانت الساعة وقتها؟! السابعة مساءً، أم هي السابعة وخمس دقائق، أم السابعة و6 دقائق و35 ثانية.وأين كنت، ولماذا لم أبق معه؟!
بعد أن تركته لم تترك قلبي كلماته، ظل صداها يتردد داخل ردهات عقلي، وجدتها مكتوبة على صفحة السماء ومأطرة بعدد من النجوم الخافتة. وبدت نهنهته الخافتة كخلفية صوتيه لعالمي الصامت، لكن فجأة، غطي عليها - على النهنهة - صوت طائرة حربية بغيض، نظرت الى الأعلى فوجدته، غراب معدني أسود يطلق مخالبه نحو بيت مجاور على بعد شارعين منى.
ثم بوم..
ينفجر البيت، الصوت، و يكاد رأسي ينفجر به، وتنفجر معه أصوات سيارت الإسعاف الخافتة، لكني لم أبه كثيرًا، أحاول أن أضع كلمات مدير المستشفى فى رأسي. لا يوجد أسهل من الموت فى غزة. هل هذا حق؟! أراقب الغراب الأسود. دار نصف دورة. ترى هل رأني؟! وهل أستحق صاروخًا يضربني وحدي، انما هو يضرب البيوت الأمنة، هم يريدون افساد قنبلتنا الديموجرافية، كل صاروخ بعشرة فلسطينيين، بمائة فلسطيني، بألف فلسطيني، بمليون فلسطيني، بفلسطين كلها ان أمكن. راودني خاطر مضحك، مسابقة بين طياري الجيش الإسرائيلي على من يقتل أكبر عدد منا بصاروخ واحد، الجثث تبدو واضحة فى التليفزيون ويمكن عدها. نسيت ما يمكن أن يحدث بعد ذلك لأن الغراب اقترب مني جدًا ونعق بصوته البغيض. بعد أن مر صوته تذكرت روايات الرعب القديمة، وجود غراب يعني فأل شؤم. رددت على نفسي ساخرًا: وما هو الغريب فى ذلك بالنسبة لمكان كغزة؟ مرت فى خاطري صورة مفزعة جعلتني ألتفت الى الغراب مسرعًا لأرى ماذا يفعل فرأيته ينقض على نقطة أدركها عقلي مسبقًا، ظهرت الصورة فجأة كنقطة فى قلب الأفق المحمر، ثم امتدت لتستولي عليه كله. صحت. صرخت.. جريت نحو الطلل .. صرخت: لااااااااااااااااااااااااااا
لكن الغراب كان أسرع مني، ومن أنا حتى أسبق غرابًا شريرًا؟!، وانزلقت مخالبه بقوة الشر الذي صنعها كي تهدم الجدران الباقية بعناد، كي تحول الطلل الى حفرة كبيرة ترقد فيها روحي الى جوار الجد نجاح.( عرفت فيما بعد - ربما على سبيل السخرية - أن هذا الغراب بالذات هو من ضرب المنزل فى المرة الأولى، وقد راهن زملائه من الغربان السود الأخرين أنهم حين يعودون معه لن يجدوا طوبة سليمة فى منزل استهدفه، وحين عاد ووجد بعض جدرانه لا زالت صامدة، ثارت سخرية زملائه، وثارت معها ثائرته، فداعب الجدران الشامخة بصاروخ أخر، وأخير).
نحو الطلل جريت. لم يعد طللاً، صار حفرة كبيرة، مجرد حفرة كبيرة مغطاة على الأقل بطن من الحجارة والتراب، صرخت:
يا جد..
يا جد..
يا جد..
يجيبني الصمت، ونواح الإسعاف القادم من بعيد، بدأت أزيح أكوام الحجارة والتراب بيدي، بأظافري، تنهمر دموعي وأصرخ مناديًا التراب وأكوام الحجارة:
يا جد..
يا جد..
يا جد..
يجيبني الصمت، وصراخ الإسعاف الذي اقترب، يمضي الغراب بعيدًا الى قلب السماء وقد أدى مهمته.
وأنا لا أزال أصرخ، يأتي الإسعاف أخيرًا.. ينزل الرجال ويحاولون مساعدتي وأنا أقول لهم، أنا من جئت به الى هنا، أنا الدكتور حسن ابراهيم الساعدي قتلت الجد نجاح، جئت به الي حيث يقتله الغراب الأسود الكبير، ضحكت، ثم طفقت أبكي بحرقة. أدركوا أنني لست فى حالتي الطبيعية، وأنني أبكي أكثر مما أساعد، فطلبوا مني التوقف، لكني لم أتوقف، منعوني بالقوة، كتفني أحدهم حتى يتمكنوا من اعطائي حقنة ..
أم كانت منومة؟!
فى الحلم رأيته..يرتدي الأبيض ويقف على جبل أخضر، وحول يديه تدور مجموعة من عصافير الجنة تلتقط الحب منها، ومن فوقه تبدو السماء منقوشة باسمه، واسم حفيده الشهيد، ومأطرة بمجموعة نجوم متألقة تتحرك ذهابًا وجيئة كأنها فى نوبة حراسة، يأتي الأرجواني من الشمس ليعطر المكان. مكان قلبه تبدو ماسة تشع بكل ألوان قوس قزح. تفوح الألوان فى الهواء، ومعها رائحتها العطرية الأخاذة.
سألته: ما هذا يا جد؟
قال: هذه أرواح الشهداء.
- وما قوس قزح هذا يا جد؟
- ليست الشهادة مجرد استفادة خاصة يا ولد، ينزل الله بركتها على أهل الشهيد، وكلكم أهلي.
ستعرف حين يسري الأحمر فى قلوبكم.. لتنير.
والبرتقالي - لون يافا - فى أرضكم.. لتزهر.
والأصفر.. فى صحرائكم.. لتأكل العدو.
والأخضر.. فى شبابكم .. ليثمر.
ثم صمت. سألت: وبقية الألوان يا جد؟! ضحك ضحكة خفيفة ثم غمز بعينيه كأيام الشباب ورد: يجب أن تأتي لتعرف.
وأردف فى حزن شفيف: صدق مديرك، ليس أسهل من الموت فى غزة.
أستيقظ، لأجد نفسي على سريره الذي كان، أهي صدفة؟!
أتطلع الى الجدران..الطلاء أبيض، وكل طلاء المستشفيات أبيض، لا تعرف ان كان هذا لمداراة سواد الحزن الذي يطبق عليها دومًا ويترك آثره فى طلائها، أم أن الجدران عندنا فقط - في فلسطين - تكتسب لونها من زغاريد فرحة الإستشهاد.
كهيئتها الأولى تبدو ..
وأبدو أنا كقاتل.. نعم أنا قاتل..
أتطلع الى الجدران.. ( تسند اليها فى ذهابه الأخير )
الطلاء أبيض، وكل طلاء المستشفيات أبيض، لا تعرف ان كان هذا لمداراة سواد الحزن الذي يطبق عليها دومًا ويترك آثره فى طلائها، أم أن الجدران عندنا فقط - في فلسطين - تكتسب لونها من زغاريد فرحة الإستشهاد.
أتطلع الى الجدران. أحاول التركيز. أى أثر تركته أصابعه النحيلة على الجدار. لو وجدته لقضيت أيامي كلها فى البكاء عنده. لصنعت منه حائط مبكى أخر. حقيقى هذه المرة.أتذكر حكمته الدائمة: لو كانت الكلمات تقتل لما استطعنا جمع أشلاء اسرائيل بملقاط، لكنك ترى معي أولاد الكلب هؤلاء يريردون منعنا حتى من الكلام.
الجد نجاح كان عجوزًا، فى الثمانين من عمره كما أخبرني. جاؤوني به وأخبروني أن اليهود قد ضربوا منزله بصاروخ. فقد اصبعين من يده اليمنى، ويده اليسرى، ملابسه عبارة عن خرقة معفرة، كان يتلو وأنا أضمد جراحه. لمست حقنة البنج جلده فتأوه بعمق جعلني أرتعب. تحمل ملامحه أثار جروح قديمة. ( قال لى فيما بعد أن ندبتين من ندبات وجهه قد ظهرتا بعد استشهاد زوجته وحفيده الأكبر)، أما قدماه فمليئة بحفر صنعتها الرصاصات. حين أفاق طلبت منه - تسرية عنه - أن يحدثني عن العمر الفائت.انطلقت منه أهة خفيفة لا أعرف ان كانت من الجسد أم من تألم الذكريات. يمتلك ذاكرة خرافية. حدثني عن قضاء يافا حيث ولد. كيف كانوا يزرعون البرتقال؟ كيف كان الإنجليز - أولاد الحرام - يأخذون برتقال يافا - أحسن برتقال فى العالم - بأبخس الأثمان، وكيف جاء اليهود. كان فى العشرين من عمره حين وقعت النكبة، فقد فيها بصديق عمره الصغير- وقتها - حسين، وفقد فيها ما هو أهم. فقد يافا. وأحيانًا كان يضحك. أنظر له متعجبًا: ومالذى يضحكك يا جد؟ اليهود - أولاد الكلب - لهم الأن ثمانين عامًا يحاولون قتلي ولم يعرفوا، ضربوا البيت فى المرة الاولى، وعمرته،ضربوه ثانية، فعمرته، الأن ضربوه الثالثة، ولا أعرف ان كان الله سيعطيني القدرة على أن أعمره ثالثة أم لا.
- أطال الله فى عمرك يا جد.
ثم طلب مني أن آذن له بالخروج لأنه يرى أنه قد تحسن، كما أن هناك من أهم أحوج منه الى سريره. قلت ألا تريد أن تنورنا قليلاً حتى نطمئن عليك يا جد، ثم اين تذهب؟! البيت اصبح طللاً لا يصلح للسكنى.
ألمح في عينيه غضبًا خافتًا، ثم تصميمًا..
- سأعمره، ولو ضربوه ألف مرة وكان بداخلي نفس واحد يتردد سأعمره.أحاول التخفيف عنه لكنه يصر أن يخرج. لم أر أن حالته تستدعي البقاء أكثر كما أنه بالفعل هناك من هم أحوج منه الى سريره.
قلت: فلأوصلك يا جد الى بيتي تستريح قليلاً، وغدًا نر ما يمكن فعله.
بتصميم رد: لا.. سأبيت فى بيتي
- !!!!
ثم بلهجة تضرع أب الى ولده: أوصلني اليه.
ومن فى غزة كلها لا يعرف بيت الجد نجاح. فى الطريق وجدته يبكي. احترمت بكائه ولم أشأ السؤال عن السبب تطفلاً، ثم انه ليس غريبًا أن يبكي المرأ فى فلسطين، الغريب ألا يبكي.
لكنه أجاب عن تساؤلاتي كلها بإشارة واحدة الى جدار متهدم وقال بصوت مبحوح: هنا استشهد محمود حفيدي، كان يصد اجتياحًا يهوديًا معتادًا، جائني به زملاءه - أو بما تبقى منه - من وهم يبكون وحكوا الحكاية. نفدت ذخيرته ولم ينفد جنود العدو بعد. بقيت معه قنبلة يدوية واحدة. نظر وراءه فرأى بيت أم علي الشهيد. زوجها قعيد لإصابة سابقة. بقية أسرتها بنات. لو عرفوا أنه حاربهم من هنا فسيهدمون البيت على من فيه ظنًا أن من فيه قدموا له المساعدة. قام بحركة التفاف رائعة، اعمى الله بها أعداءه عنه، ثم نزع فتيل القنبلة وحشرها فى حزامه وانقض بها على 3 من جنود العدو وهو يصيح الله أكبر، فقتلهم جميعًا، وحمى الأسرة الضعيفة من شرورهم.جاءت أمه على عجل لترى ما تبقى من ابنها، لم تلمح سوى ابتسامة على وجهه، زغردت، وزغردت معها كل نساء الحي.
التفت لأرى بيته أمامي، يقف وحيدًا شامخًا. طلل شامخ، ككرامتنا. رأيت نظرة عينيه تحثني أن اسرع الخطي، أوصلته وأجلسته الى بقايا جدار متهدم، ثم طلب مني أن أعود الى المستشفى، فهناك يحتاجونني أكثر.أو تبقى هنا وحدك يا جد؟! هذه أرضي يا ولد، صحيح أنني من هناك.( يشير الى الشمال ) من يافا. لكن فلسطين كلها أرضي. ثم من سيفكر أن يضرب طللاً كهذا، هناك بيوت كثيرة تحتاج الى صواريخ، ثم من يدري؟ ( يضحك بمرارة ) ربما هم ينتظرون أن أعيد بناءه حتى يضربوه ثانية.
نظرت اليه فى اشفاق. يحاول أن يداري دمعة فى عينيه لكنها تعانده وتسقط على خده، أسرع اليه بمنديلي الورقي، لكنه يرفض يدي الممتدة اليه ويخبرني أن هذه الدموع هي ما تذكره بأن له حقًا على اليهود، وسيأخذه، وله ثأر عند اليهود، وسيسفك فى سبيله دماء اليهود كلها لو استطاع.تصنعت الحزم مع نفسي - حتى لا أنفجر باكيًا - ثم استأذنته فى الرحيل فأذن.
وأه من فعل الرحيل هذا، كم كانت الساعة وقتها؟! السابعة مساءً، أم هي السابعة وخمس دقائق، أم السابعة و6 دقائق و35 ثانية.وأين كنت، ولماذا لم أبق معه؟!
بعد أن تركته لم تترك قلبي كلماته، ظل صداها يتردد داخل ردهات عقلي، وجدتها مكتوبة على صفحة السماء ومأطرة بعدد من النجوم الخافتة. وبدت نهنهته الخافتة كخلفية صوتيه لعالمي الصامت، لكن فجأة، غطي عليها - على النهنهة - صوت طائرة حربية بغيض، نظرت الى الأعلى فوجدته، غراب معدني أسود يطلق مخالبه نحو بيت مجاور على بعد شارعين منى.
ثم بوم..
ينفجر البيت، الصوت، و يكاد رأسي ينفجر به، وتنفجر معه أصوات سيارت الإسعاف الخافتة، لكني لم أبه كثيرًا، أحاول أن أضع كلمات مدير المستشفى فى رأسي. لا يوجد أسهل من الموت فى غزة. هل هذا حق؟! أراقب الغراب الأسود. دار نصف دورة. ترى هل رأني؟! وهل أستحق صاروخًا يضربني وحدي، انما هو يضرب البيوت الأمنة، هم يريدون افساد قنبلتنا الديموجرافية، كل صاروخ بعشرة فلسطينيين، بمائة فلسطيني، بألف فلسطيني، بمليون فلسطيني، بفلسطين كلها ان أمكن. راودني خاطر مضحك، مسابقة بين طياري الجيش الإسرائيلي على من يقتل أكبر عدد منا بصاروخ واحد، الجثث تبدو واضحة فى التليفزيون ويمكن عدها. نسيت ما يمكن أن يحدث بعد ذلك لأن الغراب اقترب مني جدًا ونعق بصوته البغيض. بعد أن مر صوته تذكرت روايات الرعب القديمة، وجود غراب يعني فأل شؤم. رددت على نفسي ساخرًا: وما هو الغريب فى ذلك بالنسبة لمكان كغزة؟ مرت فى خاطري صورة مفزعة جعلتني ألتفت الى الغراب مسرعًا لأرى ماذا يفعل فرأيته ينقض على نقطة أدركها عقلي مسبقًا، ظهرت الصورة فجأة كنقطة فى قلب الأفق المحمر، ثم امتدت لتستولي عليه كله. صحت. صرخت.. جريت نحو الطلل .. صرخت: لااااااااااااااااااااااااااا
لكن الغراب كان أسرع مني، ومن أنا حتى أسبق غرابًا شريرًا؟!، وانزلقت مخالبه بقوة الشر الذي صنعها كي تهدم الجدران الباقية بعناد، كي تحول الطلل الى حفرة كبيرة ترقد فيها روحي الى جوار الجد نجاح.( عرفت فيما بعد - ربما على سبيل السخرية - أن هذا الغراب بالذات هو من ضرب المنزل فى المرة الأولى، وقد راهن زملائه من الغربان السود الأخرين أنهم حين يعودون معه لن يجدوا طوبة سليمة فى منزل استهدفه، وحين عاد ووجد بعض جدرانه لا زالت صامدة، ثارت سخرية زملائه، وثارت معها ثائرته، فداعب الجدران الشامخة بصاروخ أخر، وأخير).
نحو الطلل جريت. لم يعد طللاً، صار حفرة كبيرة، مجرد حفرة كبيرة مغطاة على الأقل بطن من الحجارة والتراب، صرخت:
يا جد..
يا جد..
يا جد..
يجيبني الصمت، ونواح الإسعاف القادم من بعيد، بدأت أزيح أكوام الحجارة والتراب بيدي، بأظافري، تنهمر دموعي وأصرخ مناديًا التراب وأكوام الحجارة:
يا جد..
يا جد..
يا جد..
يجيبني الصمت، وصراخ الإسعاف الذي اقترب، يمضي الغراب بعيدًا الى قلب السماء وقد أدى مهمته.
وأنا لا أزال أصرخ، يأتي الإسعاف أخيرًا.. ينزل الرجال ويحاولون مساعدتي وأنا أقول لهم، أنا من جئت به الى هنا، أنا الدكتور حسن ابراهيم الساعدي قتلت الجد نجاح، جئت به الي حيث يقتله الغراب الأسود الكبير، ضحكت، ثم طفقت أبكي بحرقة. أدركوا أنني لست فى حالتي الطبيعية، وأنني أبكي أكثر مما أساعد، فطلبوا مني التوقف، لكني لم أتوقف، منعوني بالقوة، كتفني أحدهم حتى يتمكنوا من اعطائي حقنة ..
أم كانت منومة؟!
فى الحلم رأيته..يرتدي الأبيض ويقف على جبل أخضر، وحول يديه تدور مجموعة من عصافير الجنة تلتقط الحب منها، ومن فوقه تبدو السماء منقوشة باسمه، واسم حفيده الشهيد، ومأطرة بمجموعة نجوم متألقة تتحرك ذهابًا وجيئة كأنها فى نوبة حراسة، يأتي الأرجواني من الشمس ليعطر المكان. مكان قلبه تبدو ماسة تشع بكل ألوان قوس قزح. تفوح الألوان فى الهواء، ومعها رائحتها العطرية الأخاذة.
سألته: ما هذا يا جد؟
قال: هذه أرواح الشهداء.
- وما قوس قزح هذا يا جد؟
- ليست الشهادة مجرد استفادة خاصة يا ولد، ينزل الله بركتها على أهل الشهيد، وكلكم أهلي.
ستعرف حين يسري الأحمر فى قلوبكم.. لتنير.
والبرتقالي - لون يافا - فى أرضكم.. لتزهر.
والأصفر.. فى صحرائكم.. لتأكل العدو.
والأخضر.. فى شبابكم .. ليثمر.
ثم صمت. سألت: وبقية الألوان يا جد؟! ضحك ضحكة خفيفة ثم غمز بعينيه كأيام الشباب ورد: يجب أن تأتي لتعرف.
وأردف فى حزن شفيف: صدق مديرك، ليس أسهل من الموت فى غزة.
أستيقظ، لأجد نفسي على سريره الذي كان، أهي صدفة؟!
أتطلع الى الجدران..الطلاء أبيض، وكل طلاء المستشفيات أبيض، لا تعرف ان كان هذا لمداراة سواد الحزن الذي يطبق عليها دومًا ويترك آثره فى طلائها، أم أن الجدران عندنا فقط - في فلسطين - تكتسب لونها من زغاريد فرحة الإستشهاد.
الجمعة، ٨ أغسطس ٢٠٠٨
فليرحمهم الله..
أذكر ذلك اليوم بكل وضوح ,صباح الجمعة ذات يوم بارد كئيب , عندما أيقظتني أمي في فزع :
الحق ,بنت عمتك وولادها لسه ماجوش وبيقولوا فيه عبارة غرقت
قمت مفزوعا , لأتأكد أني لا أهذي , لأتأكد أنه ليس هناك خطأ ما في الأمر , مرت دقائق حتى استعدت توزاني , وعندما خرجت لأجد الأسرة كلها واجمة أدركت أن الأمر جاد الى درجة الموت ,بعد اتصالات مع السعودية اتضح الأمر , أصبح الموضوع قطعيا لا استئناف فيه ,بنت عمتي وبنتها وابنها على متن العبارة المنكوبة
أذكر أسود أسبوع مر علىَّ في حياتي , أذكر كل التفاصيل الدقيقة التي عشتها لحظة بلحظة
أذكر (أنس) الذي كان قطعة من روحي وبضعة منيِّ , أنس الصغير ذو الأربعة عشر عاما الذي – لأجل قدره – كانت هذه هى المرة الأولى في حياته التي سيزور مصر شتاءا ,كانت المرة الأولى..والأخيرة
أذكر عشرات الاقرباء الذين ذهبوا الى سفاجا من فورهم,الليالي الطويلة الباردة في الميناء في فبراير , أذكر دخولى المشرحة من أجل التعرف على الجثث , دعواتي من أجل أن أجد الجثة وسط أكداس الجثث الملقاة في ممرات المشرحة (أنس) الذي كان يملء الأرض مرحا ,أصبح جثة هامدة نحاول أن نتعرف عليها, أحاول أن أجدها وسط تلال الجثث
لم أنس حتى هذه اللحظة وقت أن عرضوا صور الجثث التي تم العثور عليها , كل صورة تمر أدعو الله أن يكون هو , وقتها هبط ضغطي بصورة مخيفة وضعف تنفسي وسال العرق البارد على جبيني , ارتجاف عضلات ساقي في توتر
أذكر ذلك الفتى الذي كان يبحث عن أباه وتصادف أن يجلس جانبي , ننتظر في هدوء ونعلم جيدا أن قضى الأمر
نتبادل الكلمات الوجيزة , تلك اللحظات العصيبة صنعت منه ومني رجالا قبل الأوان بكثير,علمتنا أن نكون أكثر هدوءا وحكمة , أن ننتظر في صبر, لا أذكر مسيحيا كان أو مسلما , قاهريا أم صعيديا , كل هذا لا يهم , عندما يصبح أقرب الناس اليك في عرض البحر تتلاشى هذه الفوارق , ان المصائب يجمعن المصابينا
هل جربت هذا الاحساس من قبل ؟ أنا جربته
أنت تحس بالألم لأن عزيزا عليك مصاب بوعكة , أنا كنت أتمنى أن أجد جثته !, كنت أتمنى أن أجده حيا , عرفت أن هذا صعب , قلت فليعد ميتا , عرفت أن هذا أصعب , لكنهم حرموني منه حتى من جثة أحملها بيدي , أصلى عليها صلاة أخيرة , حرموني من قبر أزوره أقرأ عليه الفاتحة في خشوع , كل شئ تحطم في لحظة عابرة.. في نزوة فاجرة
لازلت أذكر ثانية بثانية دخول شاحنة عملاقة تحمل الجثث القادمة توا من سفاجا , أذكر قيام الرجال مرة واحدة واحاطتهم بالعربة , تلك الدموع التي سالت في صمت , دموع رجال فوضوا أمرهم الى من لا يغفل ولا ينام, أذكر صراخ النساء الوحشي المتصاعد , الصراخ الذي يمزق نياط القلوب , كل منهم فقدت رجلا كان الأهم بحياتها , كل واحدة منهن يوجد بجانبها من يحتضنها في تلك اللحظة , أسمع عبارات مختلطة , (كفاية بقى يا أمه) , (شدي حيلك يا ستي الحاجة) , ( كان مكتوب لك فين دا يابني) ,( ربنا يقصف عمر اللي خدوك من حضني يا ضنايا) سأظل أحمل مرارة هذه اللحظة في حلقى حتى أموت , أذكر هذه اللحظة – حتى الآن - فتسيل دموعي في صمت
أذكر هذه الأيام بكل تفاصيلها وكأنها حدثت الأمس
الآن وبعد مرور عامين صدر الحكم ...براءة
في ذلك اليوم الأسود عندما سمعت الحكم احتشدت الدموع بعيني , 1034 مصريا ماتوا غرقا , هؤلاء المئات الذين عاشوا في الماء والظلام والبرد ساعات طويلة , من المسئول عن دمهم ؟ من سيعوضهم ؟ , من سيعوض (سحر) عن ابنتها الرضيعة التي حملتها على كتفها طيلة الليل وحينما ماتت الرضيعة تشبثت بجثتها وعندما أنقذوا الأم سقطت منها جثة ابنتها للأسماك ,من سيعوضها عن ابنتها يا سيادة القاضي, من سيعوض (محمد) عن زوجته وأبناؤه الأربعة الذين فقدهم دفعة واحدة. من سيعوض كل هؤلاء, من سيعوضني عن أسود أسبوع عشته في حياتي؟
سيادة القاضي , هل تذكرت يوم تقف بين يدي الله , وحيدا , وحيدا جدا , ماذا ستقول وهو الجبار المنتقم , بأى أساس تحكم بالبراءة , هذه الأرواح التي ذهبت هدرا , ماذا ستقول يوم ان تسأل بأى ذنب قُتِلَت ؟ , اذا كان الجميع براءة الا واحدا حصل على ستة أشهر , من الجاني اذن , هل نحن أولاد كلاب الى هذه الدرجة ؟
سيادة القاضي من أعطاك الحق في هذا الحكم ؟ ممدوح اسماعيل ليس ربا ليقتلني بمشيئته , ممدوح اسماعيل ليس الله حتى يأخذ أرواحنا كما يحب ويرضى ,سيادة القاضي.. نحن في عصر رئيس يقتلنا ليثبت أنه موجود
أذكر بوضوح عندما ظهر في( البيت بيتك) مع تامر أمين , تامر أمين الذي تعامل معه برقة شديدة , ممدوح بوجهه الخنزيري يكاد لولا الحياء يطالب بتعويض عن سفينته الغارقة , أذكر طاقم العبارة الناجي الذين وصفوا اللحظات الأخيرة والتمعت الدموع في عين كل منهم وهم يذكرون العشرات الذين فقدوهم وسط الامواج , من سيرد حق هؤلاء يا سيادة القاضي؟
من المسئول عن كل مرة تتساقط الدموع من عيني وأذكر مئات الشهداء , وأذكر أنس الصغير الذي مات في عرض البحر أصبح طعاما للأسماك, مات وحيدا غريقا خائفا في أسوء طقس ممكن وفي ليلة مظلمة , لم أودعه الوداع الأخير , لم ألقنه الشهادة, لم أسمع آخر كلماته , كان هنا وفي لحظة انتقل الى عالم آخر عند من لا ينسى ولا يظلم
وفي النهاية ...براءة
اذا كان هذا هو القانون , اذن طظ في القانون , طظ في أى قانون لا يعيد حقا الى أصحابه
أنا لا أؤمن الا بالقانون الأزلى العين بالعين والسن بالسن ومن قتل يقتل
طالما تمنيت أن يلقوا بذلك الحيوان في عرض البحر في نفس الظروف , لا , فليقوا بابنه وليعش طوال العمر بحسرته حتى أشفى غليلي
يا سيادة القاضي , منذ الآن أصبجت جلاد دنشواى الجديد, لقد حكمت بالبراءة , براءة شخص وادانة عصر بأكمله
عصر فقدنا فيه كل شئ , وفقدنا فيه القضاء العادل , فقدنا حائط الصد الأخير, فقدنا آخر شئ يحمينا في زمن الطوفان
اللهم اليك المشتكى
اللهم اني أشكو اليك قوما قتلونا وظلمونا
يارب ليس لنا ملجأ الاك
يارب لا تتركنا فرادى ضعفاء
يارب ليس لنا سواك
يارب , لاتتركنا في هذه اللحظات الصعبة
يارب لا تخذلنا
رب ان تك حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين
رب اني مغلوب فانتصر
فلتهنأ أيها الحيوان بالبراءة , أدعو من الله أن تموت من غيرأن ينفذ عليك حكم ,لا توجد أى محكمة على وجه الأرض تعيد من ماتو وتشفي غليلي , لذا فقد أجلت محكمتي الى يوم الدين , رفعت قضيتي عند اله عادل جبار منتقم شديد العقاب, محكمة لا تحتاج الى شهود نفى وثبات وأدله ومرافعات , وقتها فقط سأقول أني رضيت وأن الله يمهل ولا يهمل.
___________________________
بقلم صديقي العزيز الشاعر: محمد فوزي خلف
الحق ,بنت عمتك وولادها لسه ماجوش وبيقولوا فيه عبارة غرقت
قمت مفزوعا , لأتأكد أني لا أهذي , لأتأكد أنه ليس هناك خطأ ما في الأمر , مرت دقائق حتى استعدت توزاني , وعندما خرجت لأجد الأسرة كلها واجمة أدركت أن الأمر جاد الى درجة الموت ,بعد اتصالات مع السعودية اتضح الأمر , أصبح الموضوع قطعيا لا استئناف فيه ,بنت عمتي وبنتها وابنها على متن العبارة المنكوبة
أذكر أسود أسبوع مر علىَّ في حياتي , أذكر كل التفاصيل الدقيقة التي عشتها لحظة بلحظة
أذكر (أنس) الذي كان قطعة من روحي وبضعة منيِّ , أنس الصغير ذو الأربعة عشر عاما الذي – لأجل قدره – كانت هذه هى المرة الأولى في حياته التي سيزور مصر شتاءا ,كانت المرة الأولى..والأخيرة
أذكر عشرات الاقرباء الذين ذهبوا الى سفاجا من فورهم,الليالي الطويلة الباردة في الميناء في فبراير , أذكر دخولى المشرحة من أجل التعرف على الجثث , دعواتي من أجل أن أجد الجثة وسط أكداس الجثث الملقاة في ممرات المشرحة (أنس) الذي كان يملء الأرض مرحا ,أصبح جثة هامدة نحاول أن نتعرف عليها, أحاول أن أجدها وسط تلال الجثث
لم أنس حتى هذه اللحظة وقت أن عرضوا صور الجثث التي تم العثور عليها , كل صورة تمر أدعو الله أن يكون هو , وقتها هبط ضغطي بصورة مخيفة وضعف تنفسي وسال العرق البارد على جبيني , ارتجاف عضلات ساقي في توتر
أذكر ذلك الفتى الذي كان يبحث عن أباه وتصادف أن يجلس جانبي , ننتظر في هدوء ونعلم جيدا أن قضى الأمر
نتبادل الكلمات الوجيزة , تلك اللحظات العصيبة صنعت منه ومني رجالا قبل الأوان بكثير,علمتنا أن نكون أكثر هدوءا وحكمة , أن ننتظر في صبر, لا أذكر مسيحيا كان أو مسلما , قاهريا أم صعيديا , كل هذا لا يهم , عندما يصبح أقرب الناس اليك في عرض البحر تتلاشى هذه الفوارق , ان المصائب يجمعن المصابينا
هل جربت هذا الاحساس من قبل ؟ أنا جربته
أنت تحس بالألم لأن عزيزا عليك مصاب بوعكة , أنا كنت أتمنى أن أجد جثته !, كنت أتمنى أن أجده حيا , عرفت أن هذا صعب , قلت فليعد ميتا , عرفت أن هذا أصعب , لكنهم حرموني منه حتى من جثة أحملها بيدي , أصلى عليها صلاة أخيرة , حرموني من قبر أزوره أقرأ عليه الفاتحة في خشوع , كل شئ تحطم في لحظة عابرة.. في نزوة فاجرة
لازلت أذكر ثانية بثانية دخول شاحنة عملاقة تحمل الجثث القادمة توا من سفاجا , أذكر قيام الرجال مرة واحدة واحاطتهم بالعربة , تلك الدموع التي سالت في صمت , دموع رجال فوضوا أمرهم الى من لا يغفل ولا ينام, أذكر صراخ النساء الوحشي المتصاعد , الصراخ الذي يمزق نياط القلوب , كل منهم فقدت رجلا كان الأهم بحياتها , كل واحدة منهن يوجد بجانبها من يحتضنها في تلك اللحظة , أسمع عبارات مختلطة , (كفاية بقى يا أمه) , (شدي حيلك يا ستي الحاجة) , ( كان مكتوب لك فين دا يابني) ,( ربنا يقصف عمر اللي خدوك من حضني يا ضنايا) سأظل أحمل مرارة هذه اللحظة في حلقى حتى أموت , أذكر هذه اللحظة – حتى الآن - فتسيل دموعي في صمت
أذكر هذه الأيام بكل تفاصيلها وكأنها حدثت الأمس
الآن وبعد مرور عامين صدر الحكم ...براءة
في ذلك اليوم الأسود عندما سمعت الحكم احتشدت الدموع بعيني , 1034 مصريا ماتوا غرقا , هؤلاء المئات الذين عاشوا في الماء والظلام والبرد ساعات طويلة , من المسئول عن دمهم ؟ من سيعوضهم ؟ , من سيعوض (سحر) عن ابنتها الرضيعة التي حملتها على كتفها طيلة الليل وحينما ماتت الرضيعة تشبثت بجثتها وعندما أنقذوا الأم سقطت منها جثة ابنتها للأسماك ,من سيعوضها عن ابنتها يا سيادة القاضي, من سيعوض (محمد) عن زوجته وأبناؤه الأربعة الذين فقدهم دفعة واحدة. من سيعوض كل هؤلاء, من سيعوضني عن أسود أسبوع عشته في حياتي؟
سيادة القاضي , هل تذكرت يوم تقف بين يدي الله , وحيدا , وحيدا جدا , ماذا ستقول وهو الجبار المنتقم , بأى أساس تحكم بالبراءة , هذه الأرواح التي ذهبت هدرا , ماذا ستقول يوم ان تسأل بأى ذنب قُتِلَت ؟ , اذا كان الجميع براءة الا واحدا حصل على ستة أشهر , من الجاني اذن , هل نحن أولاد كلاب الى هذه الدرجة ؟
سيادة القاضي من أعطاك الحق في هذا الحكم ؟ ممدوح اسماعيل ليس ربا ليقتلني بمشيئته , ممدوح اسماعيل ليس الله حتى يأخذ أرواحنا كما يحب ويرضى ,سيادة القاضي.. نحن في عصر رئيس يقتلنا ليثبت أنه موجود
أذكر بوضوح عندما ظهر في( البيت بيتك) مع تامر أمين , تامر أمين الذي تعامل معه برقة شديدة , ممدوح بوجهه الخنزيري يكاد لولا الحياء يطالب بتعويض عن سفينته الغارقة , أذكر طاقم العبارة الناجي الذين وصفوا اللحظات الأخيرة والتمعت الدموع في عين كل منهم وهم يذكرون العشرات الذين فقدوهم وسط الامواج , من سيرد حق هؤلاء يا سيادة القاضي؟
من المسئول عن كل مرة تتساقط الدموع من عيني وأذكر مئات الشهداء , وأذكر أنس الصغير الذي مات في عرض البحر أصبح طعاما للأسماك, مات وحيدا غريقا خائفا في أسوء طقس ممكن وفي ليلة مظلمة , لم أودعه الوداع الأخير , لم ألقنه الشهادة, لم أسمع آخر كلماته , كان هنا وفي لحظة انتقل الى عالم آخر عند من لا ينسى ولا يظلم
وفي النهاية ...براءة
اذا كان هذا هو القانون , اذن طظ في القانون , طظ في أى قانون لا يعيد حقا الى أصحابه
أنا لا أؤمن الا بالقانون الأزلى العين بالعين والسن بالسن ومن قتل يقتل
طالما تمنيت أن يلقوا بذلك الحيوان في عرض البحر في نفس الظروف , لا , فليقوا بابنه وليعش طوال العمر بحسرته حتى أشفى غليلي
يا سيادة القاضي , منذ الآن أصبجت جلاد دنشواى الجديد, لقد حكمت بالبراءة , براءة شخص وادانة عصر بأكمله
عصر فقدنا فيه كل شئ , وفقدنا فيه القضاء العادل , فقدنا حائط الصد الأخير, فقدنا آخر شئ يحمينا في زمن الطوفان
اللهم اليك المشتكى
اللهم اني أشكو اليك قوما قتلونا وظلمونا
يارب ليس لنا ملجأ الاك
يارب لا تتركنا فرادى ضعفاء
يارب ليس لنا سواك
يارب , لاتتركنا في هذه اللحظات الصعبة
يارب لا تخذلنا
رب ان تك حبست عنا النصر من السماء فاجعل ذلك لما هو خير وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين
رب اني مغلوب فانتصر
فلتهنأ أيها الحيوان بالبراءة , أدعو من الله أن تموت من غيرأن ينفذ عليك حكم ,لا توجد أى محكمة على وجه الأرض تعيد من ماتو وتشفي غليلي , لذا فقد أجلت محكمتي الى يوم الدين , رفعت قضيتي عند اله عادل جبار منتقم شديد العقاب, محكمة لا تحتاج الى شهود نفى وثبات وأدله ومرافعات , وقتها فقط سأقول أني رضيت وأن الله يمهل ولا يهمل.
___________________________
بقلم صديقي العزيز الشاعر: محمد فوزي خلف
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)






