‏إظهار الرسائل ذات التسميات وجهة نظر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات وجهة نظر. إظهار كافة الرسائل

الخميس، ١٦ يوليو ٢٠٠٩

حتى لا تتوه الحقائق الواضحات


الصراع بيننا وبينهم صراع وجود وعقيدة.. اما نحن واما هم

انسان فلسطيني
**************
ربما كان ذلك الفلسطيني - المنقولة عبارته الملخصة لكل شئ أعلاه - يقصد اسرائيل فقط، ويكون قد أصاب جزءًا من الحقيقة ان قصد ذلك، لكن ليس كل الحقيقة، لأن الإمساك بالحقيقة يعنى محاولة أوسع لفهم اسرائيل، ليست اسرائيل مجرد دولة، اسرائيل فى حد ذاتها لا تساوي شيئًا، وإمكانياتها الذاتية تؤسس لدولة صغيرة ستكون تابعة فى الأغلب لأقرب دولة قوية، وهي جزيرة منعزلة وسط محيط من الأرض العربية الكارهة، لكن الأمور لا تؤخذ بهذا التجريد. النظرة الصحيحة لإسرائيل تتأتى من فهم حقيقة كونها رأس حربة للمصالح الغربية فى بلادنا ( ولا يعني هذا أن الصراع صراع مصالح مادية في جوهره كما سأبين)، الجزء الأعلى الظاهر من جبل ثلج المصالح الغربية عندنا، ودومًا يكون الجزء المختفي من جبل الثلج أكبر وأقوى بكثير من الجزء العلوي الظاهر المغري بالنسف. اذًا فاسرائيل وحدها قابلة للنسف، وعوامل نسفها تنبع من داخلها، لكن هل سيسمح الغرب بذلك؟
أؤمن - كما آمن ذلك الفلسطيني البسيط - بأن الصراع العربي الإسرائيلي صراع ديني في جوهره، وحتى لا تتوه الحقائق أحب أن أوضح أن المشروع الصهيوني ليست له أدنى علاقة بالديانة اليهودية سوى الديباجة الكثيفة، لكنه في جوهره مشروع مادي، ظهر في إطار الحضارة الغربية، وفي ظل فلسفتها أواخر القرن التاسع عشر، وتم تنفيذه عن طريق آلياتها، لخدمة مصالحها، فهو من أوله الى أخره غربي النشأة والتنفيذ والهدف، والحديث في هذا طويل طويل ويقودنا الى أعمق مناطق الأسس والأصول الفلسفية التي قامت عليها الحضارة الغربية الحديثة، وقد فصل د. عبد الوهاب المسيري عليه رحمة الله ذلك في موسوعته وكتبه التالية لها، بما لا يدع مجالا للحديث سوى النقل عنه.
فمن شاء فليرجع الى كتبه ومقالاته وأرائه..
ولست هنا في مجال شرح ذلك ولكني أقول: توصف الحضارة الغربية الحديثة دومًا ب" المادية" وفي قول أخر الإلحاد، وهذا ليس قولي وحدي بالمناسبة فهناك من يذهب الى أن هذه الحضارة " أول حضارة ملحدة في التاريخ" وهذا مما يسبب للبشر عدم الأمان بعد أن انفصلت كل مجالات الحياة فيها عن القيمة الأخلاقية الحاكمة.
وحينما نؤمن بأن المشروع الصهيوني مشروع مادي في جوهره فإن هذا سيعطينا رؤية جديدة تعتمد على دراسة الحضارة الغربية وفلسفتها، بدلا من الذهاب للتوراه والتلمود والبروتوكولات ومحاولة اثبات أن المشروع الصهيوني موجود في التلمود من آلاف السنين.. الى أخر هذا الهراء
كما أن معرفة والإيمان بأن المشروع الصهيوني مشروع مادي في جوهره يؤكد الصبغة الدينية التي تحدثت عنها في البداية، والصراع هنا ليس بين الإسلام واليهودية كما هو متوقع، فليس صراعنا مع اليهودية بحال من الأحوال، وإنما هو صراع بين الدين والمادية، ( ليس من المستغرب أن يتخذ الملحدون العرب مواقف مائعة من الصراع العربي الإسرائيلي) صراع بين الأخلاق الإنسانية وبين المادية التي تهدم أصل الإنسان، واني اذ أؤكد على الصبغة الدينية للصراع أقول أن هذا أمر يجب أن تتحد فيه كل الديانات السماوية وكل الفلسفات التي تعلي من شأن الإنسان بعيدًا عن المادية والتسوية بالطبيعة، واني اذ أؤكد الصبغة الدينية للصراع بالشكل الذي وضحته أؤكد أيضًا على الصبغة الدينية الإسلامية للصراع لأنه اذا كان هدفنا جميعًا - كبشر - هو العدل، فالعدل أن تعود هذه الأرض على حضن حضارتها وأهلها الأصليين وهم المسلمون والمسيحيون واليهود ذوو الخلفية الحضارية الإسلامية، فالإسلام حاضر هنا وبقوة للدفاع عن الإنسان قبل أن يدافع عن نفسه، الإسلام لا يدافع عن نفسه فقط ، بل يدافع عن كل الأديان والأخلاق والفلسفات الإنسانية.
وأؤمن بأنه لو كانت هناك أية قطعة أرض في هذا العالم يمتلكها جماعة من الملاحدة ، ثم جاءهم مجموعة من المسلمون وصنعوا بهم مثلما صنع الصهاينة بأهل فلسطين، فإن ضميري الديني والأخلاقي والإنساني يحتم عليّ الوقوف بجوار الملحدين، وهذا هو جوهر حديث النبي صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظالما أو مظلوما قالوا يا رسول الله هذا ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما قال تأخذ فوق يديه.
ومن هذا المنطلق فإني لا أرى الصراع بيننا وبين الصهاينة صراع على مصالح مادية بشكل مطلق، ذلك أن ذلك يحوي تسوية بيننا وبينهم، بين الحق والباطل، ويحول الصراع الى صراع حيوانات في غابة داروين الموحشة، ويوحي بأنه اذا انتصرنا عليهم فإننا لن نتوانى عن فعل كل مافعلوه بنا اذا كان ذلك يحمل " مصلحة مادية " لنا!( لأسباب مشابهة أعتبر معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية سقطة حضارية قبل أن تكون سقطة سياسية). اذ أنه ما دامت لا توجد مرجعية أخلاقية حاكمة فكل الأمور تصبح متساوية، يتساوى الخير والشر والحق والباطل وتصبح القوة هي المعيار الوحيد لتحديد علاقة الدال بالمدلول!.. أي تصبح فلسطين صهيونية لمجرد أن الصهاينة أقوى، ثم تعود عربية مسلمة لمجرد أننا قد أصبحنا أقوى وليس لأن ذلك هو الحق.
واستنادًا الى كل ما سبق فإني أحب أن أعلن فرحتي بالصورة الموجودة أعلاه، وهي صورة تمثل رئيس الوزراء الفلسطيني الشرعي والحقيقي المجاهد اسماعيل هنية مع وفد حاخامات جمعية " ناطوري كارتا " اليهودية المعادية لإسرائيل الصهيونية، هذه الجمعية التي شاركت في حملة " شريان الحياة 2" التي يقودها البريطاني العظيم جورج جاولاوي لفك الحصار عن غزة، ان هذا هو تجسيد عظيم لكل القيم التي نؤمن بها جميعًا كبشر، فالقوة لا تصنع الحق، الحق ثابت مطلق، وما نصبو اليه جميعًا هو العدل الذي أذهب الى أنه مقياس اقترابنا من الحق أو ابتعادنا .عنه
ومن هذا فإن جورج جالاوي وغيره من شرفاء هذا العالم، ومنهم اليهود المناصرين لحقنا في فلسطين انما هم ينتصرون للإنسان، ويذهبون الى أن مناصرة المقاومة في فلسطين ولبنان وكل مكان في العالم يوجد به مظلومون واجب أخلاقي وديني( باختلاف العقائد) وانساني، مع احتفاظنا بحق النقد المرحلي في إطار الوصول للهدف المنشود.
وتلك أرضية مشتركة غاية في الثبات والقوة يستطيع الإنسان أن يقف عليها كي يواجه المادية والإلحاد والتسوية بالطبيعة واسرائيل ومن وما ورائها.

الأحد، ٥ أبريل ٢٠٠٩

تطور المجال الدلالي لمفهوم " الضرب فى المناطق الخِطرة" عند الشباب المصريين

حين كنا أطفالاً لم تكن أفكار اختزال الإنسان فى أعضائه الجنسية فحسب كانت قد وصلت مصر، أو كانت وصلت لكنها لم تصل الينا كأطفال نشأ أغلبنا فى بيوت
الطبقة المتوسطة المحافظة.
لكن تغير الأمر تقريبًا مع بداية مغادرتنا للطفولة ودخولنا مرحلة الصبا والمراهقة وانعتاقنا من مفرخة البيت.
وأظن أن هذا كان يوافق بداية المرحلة الإعدادية اذا قسناها بالعمر التعليمي
.
كنا أطفالاً تقريبًا، ولم نكن قد خرجنا لمواجهة الحياة والعالم وحدنا كما حدث فيما بعد، وكانت أقصى انحرافاتنا أن نقفز من فوق سور المدرسة كي نذهب الى محلات ال بلاي ستيشن ، وكانت منتشرة جدًا فى هذا التوقيت، وبالتأكيد وقتها لم نكن قد تعرفنا بعد على السجائر والشيشة
لكن.. أيضًا فى هذه المرحلة تبدأ معرفة الإنسان بأعضائه الجنسية، وفى خلال عامين أو ثلاثة على الأكثر من ذلك التوقيت سيكون قادرًا على الممارسة الجنسية ( أتحدث هنا عن الذكور)، وفى ذلك الوقت، ككل وقت، كانت مفاهيمنا تعبر عن ادراكنا للعالم من حولنا.
حين كان أحدنا يعبث مع الأخر فيضربه فى " المنطقة الخِطرة" من جسده كولد كنا نضحك ونقول: حاسب.. ده مستقبل عيلة
بالتأكيد كنا وقتها نعلم عن هذه الأمور أكثر بكثير مما يتخيل أهلونا، لكن الملاحظ على الجملة السابقة أننا قد وضعنا العملية الجنسية فى سياقها الديني والإجتماعي
.والتاريخي السليم، مؤسسة الزواج
فالجنس فى هذه الحالة، وفى مفهومنا وقتها، تحول الى عملية فسيولجية مادية لكن لها بعد لها بعد أخلاقي، وانساني يرفعانها من الوحل، وهذين البعدين لابد وأن يدركا، وادراكهما، والوصول اليهما لا يتأتى الا فى حالة ممارسة الجنس عن طريق الزواج،
فهو اما أن يكون علاقة شرعية سليمة، واما علاقة أثمة، فلا توجد حلول وسط هنا.
لكن هذا المفهوم، للأسف، لم يستمر كما لاحظت فيما بعد.
فى مرحلة تالية ومع منتصف المرحلة الثانوية تقريبًا لاحظت أن أصدقائي قد تغيروا، كنا فى ذلك الوقت قد دخلنا الى عالم الانترنت والفضائيات وامتلك بعضنا تليفونات محمولة ، على المستوى الشخصي تأجل امتلاكي لتليفون محمول حتى أول سنة لدخولي الجامعة، ولقد أثر هذا جدًا على حواراتنا وكلامنا الذي يعبر عن مفاهيمنا الكامنة
كنا قد استوعبنا تمامًا فى منظومة الحداثة الاستهلاكية،( كان هذا انعكاسًا لأن البيت نفسه كان مستوعبًا داخل نفس المنظومة وانت كانت اهتماماته متغيرة بعض الشئ، كانت اهتمامات البيت متعلقة بأخر مسحوق غسيل وكيف أن الفنانة الفلانية قد انفصلت عن زوجها بعد فضيحة ما، فى الواقع نحن جيل لم يربى جيدًا، وفى كثير من الحالات لم يربى على الإطلاق) وأصبح هم أصدقائي الأكبر هو ماهي أخر موضة فى تسريح الشعر؟، هل رأيت فستان هيفاء الجديد؟
بالتأكيد اليسا نفخت صدرها حتى يخرج بهذه الصورة!
كليب عمرو الجديد فيه شوية حريم جامدة (....)، ولقد أثر ذلك جدًا، كما أسلفت، على كلامنا، (لدى أصدقاء لا يجتمعون الا للتحدث فى الجنس، الجنس أولا وأخيرًا، تحول الى قيمة مطلقة، لكنها مع ذلك قيمة مبتذلة، نتحدث عنها بأسوء المعاني، وأخبث النوايا)، وقياسًا على الموقف السابق حين يضرب أحدنا الأن فى " منطقته الخِطرة" أصبحنا نضحك ويقول له المضروب: حاسب.. عايزين نعمل بيه أي مصلحة
وهذا يعني أننا قد أخرجنا الجنس من سياقه الديني والإجتماعي والتاريخي السليم، وأبقيناه فى خانة الفعل الطبيعي، حركة مادية لإفراغ الشهوة، وهي عملية لا تحتاج الى " رجل " وامرأة"، بل الى " ذكر " و "أنثى" أى أننا قد ساوينا أنفسنا بالحيوانات.!
تحول الأمر الى هوس، استتبع ذلك أن المعرفة الجنسية أصبحت متاحة لسن أصغر بكثير مما هو معقول( لدي قريب طفل عمره 7 سنوات تقريبًا، فوجئت بأنه فتح معي مواضيع لم أعرفها ولم أفمهما الا حينما كان عمري ضعف عمره، لوحظ فى الولايات المتحدة أن علامات البلوغ الجنسي التى من المفترض أن تظهر عند سن ال 18 بدأت تظهر فى سن ال11 عند بعض الاولاد والبنات)
ما الذي حدث؟! وأثر على مفاهيمنا وادراكنا وتعبيراتنا الى هذه الدرجة؟!
أطلق على ما حدث مصطلح " اسقاط الرمزية"
فالجنس، اذا عرفناه علميًا بطريقة باردة محايدة، ما هو الا عملية فيسيولجية بين ذكر وأنثى تهدف الى الاستمتاع وافراغ الشهوة
لكن هذا التعريف " العلمي المحايد" يسقط تمامًا من حساباته الجانب الإنساني للعملية الجنسية، ذلك الجانب الذى نعرفه نحن كبشر، وهو أن الجنس لا يمارس الا من خلال مؤسسة الزواج، من خلال علاقة شرعية، وهذا أحد أسباب تميزنا عن الحيوانات..
وما حدث لأصدقائي هو ما حدث لكل الشباب المصريين ، فبعد أن كان الجنس منطقة محرمة، لا وجود له خارج مؤسسة الزواج، أو كان أى وجود له خارج مؤسسة الزواج يعتبر جرمًا لا يغتفر، وأى حديث عنه هو من قبيل " قلة الأدب" فوجئ الجميع بالقصف الجنسي الثقيل الموجه الذى نتعرض له يوميًا كشباب فى كل مكان تقريبًا، أصبح جسد المرأة، وبالتالي امكانية ممارسة الجنس معها، بعد أن كان الوصول اليه مستحيلاً تقريبًا أصبح من أسهل ما يمكن
ولا ريب أن التابعي الذي رأى ذات يوم " كعب امرأة " كانت تسير أمامه فى السوق بطريقة لا ارادية فاستغفر وقال: هذا زمان فتن كان يمكن أن يسقط مغشيًا عليه من الذهول اذا جاء الى زماننا هذا..
ليس الجانب المعنوي فقط هو المستفاد من قصة هذا التابعي، لكني أجزم بأن تأثير " كعب المرأة" عليه فسيولجيًا كان كاسحًا
ما حدث هو أننا أسقطنا تمامًا رمزية العملية الجنسية باعتبار الجنس شيئًا عاديًا، وباعتبار المرأة جسدًا يمكن الوصول اليه بمنتهى السهولة، وليس بكلمة الله كما هو التعبير النبوي العبقري، ففى المنظومة الأخلاقية الإنسانية نحن لا نستحل فروج النساء الا بكلمة الله/ المطلق/ المقدس، بعهد نقطعه على أنفسنا فى بيته، وأنا قصدت أن أعبر عن ذلك بالمنظومة الأخلاقية لأن هذا أمر مشترك بين كل الأديان
وتتم عملية " اسقاط الرمزية " تلك عن طريق عدة عمليات بنيوية تدريجية شديدة الذكاء، فالهدف كان تغيير عقلية مجتمع وهذا لا يتم بين ليلة وضحاها ،وحن نذهب الى أن" الفن" بالصورة التى هو عليها الأن هو أحد أهم أسباب التغيير، فالفن فى المصطلح الحديث أصبح كيانًا مكتفيًا بذاته، تنبع قوانين فهمه من داخله، لا تستطيع أية منظومة أخلاقيه أو قيمية أن تتحكم فيه، وأن تحدد له مساره واتجاهه وهدفه، فالفن للفن كما عبر أوسكار وايلد، والسينما لا يجب أن يتحكم فيها أى معيار أخلاقي كما عبرت المخرجة الشهيرة ايناس الدغيدي، وبالتالي قياسًا على كلام - المخرجة الشهيرة، يصبح الفن الهًا مكتفيًا بذاته، ويصبح المخرج – فى فن السينما – هو كاهنه الأعظم، وبالتالب فله الحق فى أن يفعل ما يشاء لأنه يتحرك بوحي من
الإله، ولتذهب كل المنظومات الأخلاقية الخارجية الى الجحيم
أحد أهم الأسباب الأخرى المهمة مسألة " الحداثة الإستهلاكية " عن طريق الإعلانات، فالفن غالبًا ما يقدم عن طريق شاشة ( شاشة سينما/ تليفزيون/ كمبيوتر)، ونحن نذهب الى أن الجوهر الأساسي لفكرة الشاشة هو التحكم الكامل فى المتلقي وبالتالي صياغة أحلامه وأماله وطموحاته، والشاشة الى ذلك صفة هامة جدًا من صفات المجتمعات " الحديثة " لا حظ شوارع نيويورك، هذه الشوارع يسير فيها بشر متحكم فيهم كليًا، وتعاد صياغة أحلامهم وأمالهم الاستهلاكية مرتين كل عام حسب ما يأمر اله الموضة، وبالتالي فالشاشة تقدم الى جانب " الفن " الإعلانات الاستهلاكية،( تحول الأمر على بعض القنوات الفضائية الى جنون حقيقي، فتستطيل مدة المسلسل مثلا من ساعة الا ربع الى ساعة وكسور)، والإعلانات الأن لا تتحدث الا من خلال الجنس، فهناك ادراك كامن فى عقول صانعيها بأنه لا يحرك الإنسان الان سوى غريزته الجنسية، وعلى ذلك فاذا استعملتي مسحوق الغسيل هذا إن رائحة ملابسك ستكون أحلى وبالتالي جاذبيتك الجنسية ستكون أكبر، أما انت فاذا اشتريت هذا النوع من الشيكولاتة فانه سيجعل كل البنات " تتهبل عليك"، فى الواقع لا أدري الى أى حد تبلغ " هيافة " البنت التى تعجب بولد لمجرد أنه يأكل شيكولاته من نوع معين.. وهكذا
ومسألة " اسقاط الرمزية " هذه نمط كامن فى أى توجه نحو نقل المحرم أو المقدس من مكانه الأصلي الى خانة المعتاد والمبتذل
ولنا أن نلاحظ أن الأمر قد تم بالصورة نفسها فى قضية الحجاب أيضًا..
فبعد أن كان الحجاب رمزًا للهوية والإنتماء والمرجعية، مقدسًا لا يمكن الحديث بشأنه، يخرج الينا البعض، غالبًا يكون قد درس فى الخارج وانبهر به الى حد التقديس، ليتكلم فى مسألة الحجاب، فى البداية يكون الحديث من منظور أن هذا دلالة على التخلف، والحجاب حجاب العقل، لكن الأسوء لم يأتِ بعد، فى "مرحلة تالية، يتحول النقاش الى محاولة الاتيان " بدليل شرعي لاثبات أن الحجاب ليس فرضًا الهيًا على المرأة المسلمة، ويخرج لنا عبقري كالمستشار محمد سعيد العشماوي ليخبرنا أنه لا يوجد حجاب ولا يحزنون، وأن المسلمين كانوا " بيشتغلوا نفسهم" طيلة أربعة عشر قرنًا، ثم تأتي الصحفية اقبال بركة لتخبرنا أنها ستظل طوال عمرها تحارب الحجاب ( ربنا معاها)
وهكذا.. يتحول الحجاب من مقدس الى موضوع متداول قابل للأخذ والرد، ويتدنى من منزلته كأمر الهي الى مجرد " غطاء للرأس"
توصيف بارد محايد لا يحمل أية دلالة دينية أو أخلاقية، ولا يلزم المرأة بأى شئ.
الكارثة الأكبر هنا أن عملية اسقاط الرمزية عن المقدسات تتم باستخدام مصطلحات غاية فى البراءة،
فهدم المرجعية العامة للمجتمع يصبح " نقد الذات"، لكن نقد الذات يتحول الى جلد ذات وهدم لهويتها ومرجعيتها، وكأن هناك مجتمعًا فى التاريخ – مهما كانت درجة الحريات المتاحة داخله - يقبل أن تناقش مرجعياته النهائية أو أن تصبح محلاً للأخذ أو الرد، ، حتى ولو كانت هذه المرجعية طوطمًا لقبيلة بدائية داخل أكثر أحراش أفريقيا ظلمة، أو كانت المرجعية العلمانية فى فرنسا.
والإنبطاح أمام الغرب يتحول بقدرة قادر الى " التواصل مع الأخر" ولا أعرف أى تواصل هذا الذى يعني انبطاحًا كاملاً وتوسلا الى الأخر بكل مقدساته أن ينقل الينا هويته ومرجعيته وتجربته التاريخية.
ولعل هذا يفسر لماذا تحولنا الى مسوخ

الجمعة، ٦ فبراير ٢٠٠٩

اشكالية الفن.. تحليل النموذج الكامن

1- تبسيط المفاهيم:
باختصار شديد: تقوم فكرة "
الحداثة المنفصلة عن القيمة " على افتراض أن الإنسان - عقله الطبيعي/ المادي تحديدًا - هو مركز الكون من بين عناصره الثلاثة (الإله - الطبيعة - الإنسان )، مع استبعاد الإيمان بكل ما هو خارج عن نطاق ذلك العقل / الطبيعي ، كفكرة الإله المفارق المتجاوز للتاريخ والطبيعة مصدرًا للأخلاق والقيمة والمعيارية والغاية والهدف، وكل تلك الأمور الخارجة عن نطاق القياس المادي الرياضي الصارم!
وبالتالي فقد أصبح العقل الطبيعي/المادي هو مصدر الأخلاق والمعيارية والغاية والهدف، دون الحاجة الى أى مصدر أخر للمعرفة خارج حدود الحواس الخمس، كالوحي الإلهي مثلاً، لأنه أمر خارج عن حدود المادة فلا يمكن قياسه وبالتالي لا يمكن الإعتراف به!
وللتبسيط.. يمكننا فهم هذا المصطلح اذا تخيلنا سيارة تخرج من أسوان وتسير بطول الوادي شمالاً الى القاهرة، هذا يعني أن السيارة لها بداية ( أسوان )، ولها هدف نهائي ( القاهرة)، وتمتلك خطة للوصول اليه ( السير بطول الوادي شمالاً).
وفى المقابل دعونا نتخيل سيارة أخرى خرجت من أسوان، ثم شمالاً بطول الوادي الى القاهرة ومنها الى الإسكندرية، ثم عبرت البحر المتوسط الى إيطاليا، ومنها عبر أوروبا الى القطب الشمالي، ومنه الى القطب الجنوبي، وهكذا!
السيارة الثانية تمثل مفهوم " الحداثة المنفصلة عن القيمة "، وهي سيارة غبية هدفها المجرد والنهائي هو السير وليس توصيل الناس.
وإشكالية " الحداثة المنفصلة عن القيمة "، إشكالية وقعت فيها الفلسفة الغربية حين نحت الإله/المطلق/الأخلاق/ الغاية/المعيارية عن مركز الكون، وفوجئت بعد ذلك بأن العقل الطبيعي المادي وحده غير قادر على تحديد هدف للحياة، ولا قيمًا تحكم توجه هذا الهدف، فجعلت التقدم فى حد ذاته هدفًا نهائيًا!
ولنتذكر مثال السيارة التى تسير بغير هدى، سيارة هدفها السير فقط!
فكرة شديدة العبثية والسخافة بالطبع..!
بالتالي تصبح حركة الإنسان عشوائية مادية بحتة، غير واضحة الهدف ولا حتى المعالم، بالضبط كما هي حركة الإلكترونات حول الذرة، وليحاول أى حد أن يمسك بالكترون ثم يسأله ما هو الهدف من دورانك الأبدي حول نواة الذرة ولينظر بم سيجيبه!
ونتج عن الإيمان بأن العقل الطبيعي المادي هو وحده المطلق، أعلن نيتشه وقتها ما أطلق عليه " موت الإله، أن انفصلت كل مجالات الحياة بالتالي عن القيم والغائيات الأخلاقية بمصدرها الإلهي الذي أعلن نيتشه موته، وأصبحت خاضعةً فقط للقوانين الكامنة فيها، تستمد معياريتها من ذاتها!، فيحكم على المجال الإقتصادي بمعايير إقتصادية فقط، والمجال السياسي بمعايير سياسية فقط، والمجال الفني بمعايير فنية فقط!
ما يهمنا هنا هو المجال الفني..
فى أحد مشاهد فيلم " بحب السيما " يُسقط الطفل " نعيم " صور السيدة مريم على الأرض ليكتشف أن أمه (ليلى علوي)، الفنانة التشكيلية السابقة، قد رسمت على ظهرها صورًا عارية، يدخل فى هذه اللحظة الأب (محمود حميدة) المتزمت دينيًا ليجد هذه الصور فيغضب غضبًا شديدًا ويصرخ وهو يمزق تلك الصور:
ده حرام، فتصرخ فيه الأم: " حرام عليك ده فن "!
تلخص كلمة " ده فن " كل شئ من وجهة نظري، والمفهوم الكامن ورائها أوضح من أن يوضح، فالفن أصبح قيمة مطلقة يستمد معياريته من ذاته، بعيدًا عن أى مطلق ميتافيزيقي خارجي يحكمه ويوجه حركته، الأخلاق مثلاً، لكن الفن فى حد ذاته مطلق ميتافيزيقي غير قابل للقياس المادي الصارم، وبالتالي كان طبيعيًا أن يسقط لتحل محله المادة ( الجنس/ المال)، وهو ما نلمسه بشدة الأن فى كل الأغاني والأفلام والرسومات والكتابات والأعمال (الفنية) الهابطة التى تنزل علينا كالصواعق كل يوم!
وفى داخل الإطار المعرفي يصبح مفهومًا بل ومقبولاً أن يكون أمر المخرج مقدمًا على نهي الله (المطلق الذي تم قتله
وأن يصبح التعري للضرورة (الفنية) أهم من الإحتشام للضرورة الدينية،
وأن يصبح جلوس الفتيات عاريات ( " الموديلز" وهي تسمية فى غاية الحقارة والإهانة للمرأة) أمام الرسامين الذكور كي يدرسوا عليهن تشريح الجسد أمرًا طبيعيًا ومستساغًا، فكله فى النهاية " فن "!
** ** **
2- أغنية: In Da Club نموذجًا:
نعيش الأن عصر " ما بعد الحداثة "، وهي مرحلة تاريخية بدأت مع نهاية الستينات من القرن الماضي، وتتميز بعدة سمات يمكن استبيانها من خلال تحليل بسيط لأغنية In da club، فنحن نذهب الى أن " فن " كل عصر يحمل سماته ومفاهيمه ورؤيته لذاته وللكون.
وقد اخترت هذه الأغنية بالذات لسبيين:
الأول هي أنها تقريبًا تحمل كل سمات حضارة عصر ما بعد الحداثة.
الثاني هي أنها أغنية شهيرة جدًا مما يسهل على كل من يقرأ أن يجدها ويحللها معي.
ولنبدأ بالتعريف..
أغنية In da club أحد أشهر أغاني مغني الراب الأمريكي 50cent، وتُغنى ، تسميتها بالأغنية هنا تجاوزًا، فى مساحة 4 دقائق
ولنبدأ معًا تحليلها..
1- الموسيقى: (ألية) بسيطة الى حد يثير الغيظ، رتيبة متكررة الى حد كبير، تشبه فى حركتها وتكرارها الممل حركة الآلة، والآلة هنا تمثل مفهومًا كامنًا فى الحضارة الغربية منذ بداية عصر التنوير، اذًا حركة الموسيقى رتيبة متكررة مملة، ولن أبالغ لو قلت أنها مادية الى حد كبير، وهو أمر معتاد فى الموسيقى والغناء الغربي بعامة حتى وإن ظهرت على السطح بعض التشكيلات الموسيقية المختلفة الا أنه فى خلفية الأغنية تستطيع، ان كنت تمتلك سماعة جيدة، أن تتبين نمطًا معينًا من النغم يتكرر برتابة مملة، وقد تسلل هذا النمط من التلحين الى غنائنا للأسف ضمن ما تسلل الينا أمور يتفاخر بها البعض لأنه يصبح بفعلها متحضرًا!
ويمكن بوضوح شديد تبين نغمة التكرار والرتابة الألية المقيتة من خلال سماع أخر دقيقة من الأغنية التى تتكرر فيها النغمة بشكل متعمد كأنها تقول لك:
نحن نكرر أنفسنا لنغيظك!

وأحب أن أشير هنا الى نقطة أراها هامة، وهو موضوع التخليط الذى يحدث عمدًا فى أغاني بعض الفرق الغنائية المصرية الحديثة التى سمعتها ( "وسط البلد" أو "قص ولزق" على سبيل المثال) بين الموسيقى الشرقية والغربية، بنسب كبيرة جدًا للآلات الغربية، أوبين كلمات شرقية كشعر أو ذكر مثلا وبين موسيقى غربية، يمكن للمدافعين عن هذا أن يتحدثوا عن ثقافة السلام وتمازج الحضارات وكل هذا الهراء، يصبح هذه مفهومًا ومقبولاً من وجهة نظري اذا كان يوجد مقابل له، أى اذا وجدنا فرقًا غربية تزاوج بين الموسيقى الشرقية والغربية بهذه الطريقة، وبغير هذا فإن الأمر لا يعدو كونه صورة أخرى من صور الإنبطاح الحضاري للغرب.
يعضد وجهة نظري فى هذه النقطة جو هذه الحفلات ( الفنية) الغربي تمامًا وجمهورها الذي يتكون فى أغلبيته الساحقة من فئة الشباب المنتمي الى الطبقات الإجتماعية فوق المتوسطة والغنية والذي يبذل قصارى جهده للتشبه بالسادة فى مانهاتن!
2- الكلمات: ثمة تركيز شديد على الرغبات السفلى ( المال - الجنس - المخدرات )،
يؤكد هذا على جوهر النموذج المعرفي الكامن للإنسان داخل المنظومة الفلسفية الغربية التى ردته الى عناصره المادية فحسب، وجعلت هدف حياته يدور حول مبدأي اللذة والمنفعة فقط،
وقد اضطرت اذاعة عربية متخصصة فى بث الأغاني الأجنبية، حين اذاعتها لتلك الأغنية، أن تقطع منها لحيظات عديدة لإخفاء كلمات ك ( Sex- Fuck- Drugs) التى تكررت بكثرة على مسطح زمني يبلغ 4 دقائق تقريبًا هو زمن الأغنية، مما أفقد الأغنية أى معنى.
مما يلاحظ أيضًا أنه ثمة انفصال كامل بين طريقة ( الغناء) والموسيقى، فكل يسير فى طريقه، يمكن أن نضع هذا ضمن ما يطلق عليه د. عبد الوهاب المسيري ( انفصال الدال عن المدلول)، حيث أنه بما أننا فى عصر السيولة الشاملة حيث لا قواعد تحكم أى شئ، بالتالي يمكن وضع أى شئ بجوار أى شئ، بل وعلينا قبوله باعتباره " فن
وربما لهذا السبب فإن الموسيقى الغربية ( يدخل ضمنها الغناء) مهما بلغت درجة جمالها لا تُطرِب، عكس الموسيقى الشرقية ( القديمة)، التى يجب أن تتمازج فيها الموسيقى والكلمات ولا تنفصل، حيث هناك هدف ما للأغنية، حيث هناك رؤية ما للكون.
ومما يلاحظ أيضًا طريقة نطق الكلمات، تلك اللهجة الغريبة، لست مجيدًا للإنجليزية لكنى أدعي القدرة على التمييز بين الإنجليزية الراقية، الإنجليزية الفصحى ان صح هذا التعبير والتى كان يتحدث بها الانجليز الى وقت قريب، وبين هذه اللهجة المسخ التى تمثل تحديًا لكل قواعد اللغة والنطق، مرة أخرى نحن ندور فى فلك فكرة تحطيم كل القواعد والمطلقات وأشباه المطلقات.
3- الصوت: عصر السيولة الشاملة يأتى لنا بكل جديد، فبعد أن كانت ( القاعدة ) هي أن الغناء لكل ذي صوت جميل، تم تحطيمها وأصبح الغناء لكل من يمتلك القدرة على دفع ثمن " تعبية شريط".
لا يوجد صوت مطلقًا ولا يمكن تسمية هذا غناء، ومع ذلك فإنه علينا قبول ذلك والا فلن نكون متحضرين!
4- التصوير: تعضد الطريقة التى صُوِرَت بها الأغنية كل ما سبق، حيث تم تصويرها فى ملهى ليلى، ولعل خشبة الرقص فى أى ملهى ليلي هي الصورة المجازية الأساسية المعبرة عن الحياة الغربية، خصوصًا وحين يكون الرقص بهذه العشوائية، يتحرك كل فرد كما يحلو له باعتبار هذا رقصًا، يتصادم مع غيره ربما، لكن لا يهم، لايهم أيضًا أن تتوافق حركة الجسد مع الموسيقى، انتهت تلك الأزمنة السعيدة التى كانت حركات الرقص فيها تتوافق مع الموسيقى، وفى الملهى الليلي كل شئ قابل للتفاوض وللبيع والشراء، ابتداءً بالخمر وانتهاءًا بالأجساد، فلا قداسة لأى شئ، فى الملهى الليلي الكل يتحرك، لكن ما الهدف؟
المتعة.. اللذة.. المنفعة
ولكن على الرغم من تلك الفوضى الظاهرة الى أنه يوجد من يحكم سيطرته على المكان، بلطجي أو زعيم عصابة غالبًا، توجد سلطة ما تعمل على فض المنازعات حفاظًا على استمرار الحركة وجني الأرباح وبقاء اللذة والمنفعة كقيمتين أساسيتين.
ذلك البلطجي أو زعيم العصابة هو ما يمثل فكرة " الدولة المركزية القومية الحديثة "، التى يبدو أنها أكبر اشتغالة فى التاريخ الحديث. ولكن هذه قصة أخرى.
________________
الى..
د. عبد الوهاب المسيري..
أستاذي العظيم.. علمك يُنتَفَعُ به وأجرك موصول الى يوم القيامة بإذن الله.
د. إيهاب يونس.. طالت الغيبة، دمتم ودام فضل علمكم علينا.
محمد علي.. لعلي لا أخيب ظنك.



الأحد، ٤ يناير ٢٠٠٩

مصر والشام.. حقائق قديمة حان وقت التأكيد عليها (1-2)

".. ولكنك تعرف أكثر مني حقائق هذا العصر، بل وكل العصور قبله وبعده، وهي أنه عندما يريدها أحد " أن تكون أخر الحروب"، فمعنى ذلك أنه يعطي للآخرين فرصة أن يفرضوا عليه ما يريدون مطمئنين إلى أنه فى النهاية قابل بما يعرضونه طالما أنه ليس مستعدًا لما يترتب على عدم القبول . وحين تتعهد أمة بأنها لن تحارب دفاعًا عن مصالحها عند اللزوم، فالترجمة العملية لذلك أنها عطلت إرادتها حتى من قبل تبدأ لحظة تعارض الإرادات. ثم أنت أول من يعرف أن السلام موازين قوة، وأنه ليس هناك ما يحافظ عليه غيرها. والقول ب " نهاية الحروب" هو فى شكل من الأشكال وقوع فى محظور تجميد الحياة، وتوقف عجلة التاريخ عن الدوران. وأنا لا أقول إن الحياة والتاريخ كليهما حروب، وإنما أقول إنهما صراع. وفى مجرى أي صراع فإن القوة احتمال وارد، ولا يستطيع طرف، ولا يملك أن ينساه أو يتناساه."
هيكل متحدثًا إلى الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران
** ** **
أوضحت من قبل أن الأمور بعد حرب لبنان صيف 2006 أمست واضحة للجميع، معروف للجميع من هو محور " الخير "، ومن هو محور " الشر "، لأسباب مشابهة أنظر الى سفسطات رؤساء تحرير الصحف القومية المصرية بخصوص علاقة حماس وحزب الله وسوريا بإيران، أنظر إليها على أنها نوع من " نقار الديكة " بين جمهوري فريقين بينهما منافسة أزلية، الحق واضح لكل أعمى، لكن فى مثل هذه الجدالات يصبح الحق أخر ما يتمنى الطرف المخطئ الوصول إليه، يصدق فيهم قول الله تعالى " فإنّها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور "، على سبيل المثال خرجت أهرام الجمعة 2008/12/26 بافتتاحية كتبها رئيس تحريرها أسامة سرايا بعنوان " أوهام حماس "، لايمكن فصل ذلك عن مذبحة غزة التى بدأت فى اليوم التالي لهذه المقالة المستفزة، ككل مقالات أسامة سرايا فى الواقع، ولا تزال - المذبحة - جارية حتى لحظة كتابة هذه السطور، أى لليوم التاسع على التوالي.! سأبدأ من كلام هيكل العبقري المنقول أعلاه فأقول: أن كامب ديفيد بالشكل الذي خرجت به لم تكن مطلقًا فى خدمة مصر، أو القضية العربية عمومًا، اذ أنها متضمنة لاعتراف بوجود دولة اسرائيل، وهو ما لا يمكن قبوله، كما أن منطلقاتها تتمثل فيما ذكره هيكل، نحن نريدها أن تكون أخر الحروب، فعلينا اذًا تحمل ما يفرضه الأخرون!
نستطيع - ببساطة - ملاحظة تأثير ذلك على منحنى المطالب العربية الهابط، أو حتى الجهود العربية لحل القضية الفلسطينية، فبعد الحرب فى 1948، وبعد الهجوم، نجد أنها قد تحولت للدفاع فى 1956، ثم للهزيمة فى 1967، ثم لإنتصار جزئي - بفعل فاعل - فى 1973 ثم لخروج تام من المعركة من جانب مصر وانكماش داخل الحدود، وانغلاق على النفس، بعد معاهدة السلام 1979، وانحسار دورها من طرف أساسي فى المعركة الى مجرد وسيط غير نزيه بين حركتي المقاومة الفلسطينية فتح وحماس، والمقولة الشائعة بأن العرب قد أخطأوا حين لم يسمعوا كلام السادات ولم يذهبوا معه الى كامب ديفيد، ثم هم الأن يتمنون ربع ما كان سيحصل عليه لهم، وإن كانت صحيحة ظاهريًا، الا أنها تحمل فى طياتها اشارة الى حقيقتين فى غاية الخطورة:
1- انهيار قدرة المفاوض العربي، لم يعد هناك ما يمكن المفاوضة بشأنه، نحن نريد السلام، بأى ثمن، بأى شكل، أما الأخرون فهم لا يريدونه، أو يريدونه بالشكل الذى يحقق مصالحهم كاملة، بالتالي تقل الأمال الموضوعة على الطاولة، يصبح التفاوض هدفًا فى حد ذاته، التفاوض ثم التفاوض فالتفاوض، التفاوض الى الأبد، الى ما لانهاية، وبالتالي استمرارًا لمتتالية الهبوط يصبح الوصول الى التفاوض هدفًا!.
2- أن المصير العربي فى النهاية وفى التحليل الأخير مصري، بعد هزيمة يونيو 1967 خرجت قمة الخرطوم بلاءاتها الثلاث الشهيرة " لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بالعدو الصهيوني"، فى الواقع كانت هذه اللاءات الثلاث ترجمة للموقف المصري المتشدد وقتها، انقلب الموقف المصري 180 درجة بعدها حين وقع السادات معاهدة السلام التي هوجمت بسببها مصر وقوطعت من كل العرب لفترة، ثم هاهم العرب ذاتهم فى قمة بيروت 2002 - بعد اتفاقيتي مدريد1991، التى اعترف فيها العرب باسرائيل ضمنيًا حين وافقوا على مبدأ " الأرض مقابل السلام "، وأسلو1993 مرورًًا بمؤتمرات شرم الشيخ العديدة - يخرجون بمبادرة سلام هزيلة ترفضها اسرائيل دومًا، أو تعدل فيها بما يفقدها معناها، وكانت مبادرة بيروت أيضًا ترجمة للموقف المصري المتخاذل، وشتان بين الموقفين. بالتالي يصبح النظر الى مذبحة غزة الجارية الأن على أنها تجلي أزمة الضعف المصري هو النظرة الصحيحة، من وجهة نظري على الأقل. أقول أنه على مدار التاريخ كانت الشام تابعة لمصر، أو على الأقل يرتبط حكامها بعلاقة تبعية ولو روحية بمصر، نتيجة طبيعية لما سبقت الإشارة اليه من غنى الموضع المصري عن الشامي، الزراع أعلى حضاريًا من الملاحين بالتأكيد، أما يحدث الأن فهو مخالف لكل ما نعرف، لكل ما مر به التاريخ، يضم الشام عددًا من القوى والأنظمة كلها بلا استثناء - الا الموصومين بالخيانة - تعادي مصر، من الشمال سوريا، وتقف فى المعسكر المُعادي، يضم لبنان حزب الله، وهو الطرف الأقوى فى المعادلة اللبنانية الأن وهو أيضًا فى المعسكر المُعادي، أما فلسطين فتضم حماس، وهي الطرف الأقوى أيضًا وتقف فى المعسكر المُعادي، أما بالنسبة لإسرائيل فيحتاج الأمر الى أن تكون رئيسًا لتحرير صحيفة قومية مصرية حتى تقنعني أنها تحولت - بقدرة قادر - الى صديق! ما يحدث فى غزة غير طبيعي - ليس على مستوى الوحشية الإسرائيلية فهي مما نعرفه جيدًا - وانما على مستوى ضعف التحرك المصري، ما يحدث مخالف لألف باء الإستراتيجية، لأبسط ما يعرفه أى أحد عن أساسيات الأمن القومي لأى اقليم جغرافي سياسي موحد فى هيئة دولة! مخالف لما وضعه الإستراتيجي المصري الأعظم د. جمال حمدان من أساسيات الأمن القومي المصري.. يعبر د. جمال حمدان عن الموقف الجيوستراتيجي المصري كله فى ايجاز من خلال سلسلة من المعادلات الإستراتيجية النحو التالي:
-
من يسيطر على فلسطين.. يهدد خط دفاع سيناء الأول
-
من يسيطر على خط دفاع سيناء الأوسط.. يتحكم فى سيناء
-
من يسيطر على سيناء.. يتحكم فى خط دفاع مصر الأخير
-
من يسيطر على خط دفاع مصر الأخير.. يهدد الوادي
وهذه بالضبط " نواة نظرية الأمن القومي المصري "
يفسر د. جمال حمدان مكملاً فيقول: "
إن موقع مصر مهدد أبدًا وبانتظام بالإجهاض والشلل الجزئي ما بقيت اسرائيل، خاصة وأنها تريد أن ترث دور قناة السويس نهائيًا، بل وتهدف إلى سرقة موقع مصر الجغرافي، ومن ثم يصبح المبدأ الإستراتيجي الأول فى نظرية الأمن القومي هو مرة أخرى: دافع عن سيناء تدافع عن القناة تدافع عن مصر جميعًا، وبالتالي لا ضمان الا بذهاب العدو." ويبدو أن د. جمال حمدان يتحدث من منظور الماضي حين كانت اسرائيل عدوة! بالتالي يصبح افتراض حسن النية فى التعامل المصري مع الموقف الحادث فى غزة نوعًا من العبث، فهو اما ينم عن جهل شديد بحقائق الأوضاع على الأرض ومدى تأثير ذلك على المستقبل، واما أنه تتم ادارة الموقف لتحقيق مصالح خاصة جدًا وضيقة جدًا، ليس منها بالتأكيد مصلحة مصر.
__________________________
الى..
مصر.. حينما كانت مصر التى أعرفها.
غزة..
وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
محمد فوزي.. لولاك لنسيتنى الكتابة

الثلاثاء، ٤ نوفمبر ٢٠٠٨

عبقرية السجود..

من المعروف سلفا أن السجود هو أكثر أوضاع الصلاة اراحة للجسم حيث تكون جميع أطراف الجسم البارزة تقريبا مستندة الى الأرض فلا حاجة بها الى ذاتيتها أو الى قدراتها الذاتية العادية للثبات أو التوازن.. الذى عرفته منذ فترة بسيطة أيضا أن السجود هو أكثر اوضاع الصلاة.. ربما أوضاع الحياة اراحة للنفس أيضا..
كيف؟
(سبحان ربى الأعلى)
هل فكرت فى معناها من قبل؟
تستطيع تبين روعتها حين تفكر فى التضاد العبقرى بين وضعك الذليل وبين ما تقول ومن تذكر.. تستطيع تبين روعتها حين تفكر فى أنك الانسان بكل غروره تضع على الأرض جبهتك أعلى واشرف ما فيك فى ذل لذيذ - ان جاز التعبير - تبدأ فى ذكر الله أعلى وأكبر من فى الكون.. ووجوده تعالى فى السماء السابعة وأنت فى الأرض يعطى الأمر بعدا مكانيا محسوسا ومتعة أخرى فى أنك تتحدث الى من يبعدك تلك المسافة المهولة دون أى ساتر أو مانع.. ذلك التناقض الساحر يحمل فى طياته لا شك متعة كبيرة اذ أن الأمر فى النهاية يتعلق بالحديث مع الله..
والمثال الشهير(محاولاتك الوصول الى شخص ذى سلطة كبيرة) مازال قائما ولكن بشكل يختلف نوعا هنا.. فبينما ستحصل من صاحب المنصب الكبير على متعة دنيوية زائلة فانك ستحصل من الله ومعه تعالى على متعة دنيوية يومية متجددة فضلا عن المتعة الأخروية اللانهائية.. والأمر عادل جدا..كلما ازداد جهدك فى الوصول الى المتعة كلما حصلت على نصيب أكبر منها.. اذا.. فسبحان ربى الأعلى هى الباب الملكى فى السجود للعبور الى الله وهى - رغم عبقرية بساطتها وسحر تناقضاتها - لاتزال برأيي مفتاحا وتمهيدا لمتعة أكبر وهى الحديث مع الله هل جربته؟ بعد سبحان ربى الأعلى(ذكر الله والثناء عليه فى جملة بسيطة عبقرية من ثلاث كلمات فقط) وهذه هى الطريقة المثلى لبدء الحديث مع الملوك.. تبدا فى الحديث معه تعالى..
والحديث معه تعالى لا يعنى بالضرورة أن يكون دعاءً، بل حديث ودى عادى، احكى له عن حياتك العادية التى هو أعلم بكل تفاصيلها تأكيدا لكنك (تتلكك) للحديث معه تعالى..
هل جربت متعة ذلك؟ للأسف لايمكن تجريب هذه المتعة فى صلاة الجماعة نظرا لقصر وقت السجود بينما أنت تصلى وحدك فالوقت ممتد امامك الى ما شاء الله.. واذا كان دعاءا فانى افضله بالعامية.. بلغتى العادية التى أتكلم بها دوما.. وكلامى معه تعالى وهوالأعلم بحالى أحب أن أضمنه أدعية مبتكرة لأنى لا احب القوالب التى يضعنى فيها شيوخ الجوامع مع احترامى لهم فهذه هى علاقتى مع الله ولا لحق لأحد أن يتدخل فيها بدعوى حفظ الاحترام مع الله.. مع تكرار عملية الحديث مع الله تنشا علاقة جميلة معه تعالى لا أعرف كيف اصفها..
ولو كنت فى حل أن أصفه تعالى بصديق عزيز وحاشا أ ن يكون له مثل ليصادقه.. لكن الأمر جميل للغاية.. ويصبح الله تعالى بالنسبة اليك أحدا عزيزا غاليا لا تستطيع الاستغناء عنه أو الابتعاد..
اذًا.. فعبقرية السجود تكمن فى كونه بروفة دنيوية يومية للقاء الأخروى مع الله تعالى ومع محاولات الاستمتاع بالسجود يتحول من مجرد لقاء يوم القيامة الى لقاء الله تعالى فى الجنة باذن الله ويتبقى لك رؤية وجهه الكريم ساعتها لكن نور وجهه يسرى فى دمك دنيويا لأنك تلقاه يوميا واخيرا.. اذا كان الله قد كلم موسى عليه السلام مرة فان الله فضل أمة الاسلام ومن عليها بامكانية الحديث معه تعالى 34 مرة فى اليوم غير النوافل.
____________________
خاطرة قديمة كتبت فى شهر رمضان قبل عامين وفى ظروف خاصة جدًا، أعاني منذ فترة حالة مخففة مما يطلق عليه " قفلة الكاتب - The Writer Block " إن كان يجوز لى إطلاق لقب " كاتب " عليّ، ربما هى لعنة عدم تنفيذ الوعدD
:، ثمة عدة أفكار للكتابة عن قاضي قرطبة نفذت احداها لكن لم تعجبني، وأنا الأن فى طور التنفيذ لأخرى، ولعل الله يمن علينا بالفتح بعد أن ننفذ الوعد الذى قطعناه على أنفسنا للأحبة.

الثلاثاء، ٢٢ يوليو ٢٠٠٨

الإمبريالية كرسالة أخلاقية.. انجلترا نموذجًا... 2


الخطاب الإمبريالى البريطانى: جدول الفئات الحضارية والإختراع العنصري للعالم



تصنيف حضارى


( المتحضرة ) " فئة 1"

العالم الأول


( البربرية ) " فئة 2"

العالم الثانى


( المتوحشة ) " فئة 3"

العالم الثالث

الدول


بريطانيا فى قمة الفئة الأولى، وأوروبا الغربية فى الفئة الأولى


مثل: الإمبراطورية العثمانية، الصين، سيام واليابان


مثل: أفريقيا، استراليا ونيوزيلندا

لون العرق

المزاج

الخصائص المناخية

الخصائص الإنسانية

نظرية الاستبداد الشرقى

نظرية بيتربان

مبادئ الشرعية الإجتماعية

مبادئ الشرعية السياسية


الأبيض

منضبط / يعمل بكد

بارد ورطب


مسيحى

ديمقراطية – ليبرالية – حرية – فردية – عقلانية

أبوى / ذكورى، مستقل، مبتكر، عقلانى

البريطانيون كشعب مختار، أو العرق السيد


ذو سيادة ( مساحة مسكونة ذات حدود )


الأصفر

كئيب / سوداوى / قاس

جاف واستوائى

( مسلم = وثنى )

استبداد – عبودية – جماعية – لا عقلانية

مراهق / نسوى، مُقلد، غريب وغير عقلانى

شعب منحط

بدون سيادة / حكم إمبريالى غير مباشر (مساحة مسكونة بدون حدود )


الأسود

لا مبال / منحل

مجدب

ملحد / وثنى

استبداد الحكومة أو غيابها، جماعية، لا عقلانية

طفولى/ نسوى، اعتمادى، لا مبال، غير عقلانى

الإنسان الطبيعى فى الحالة الطبيعية الأولى

أرض دون صاحب / حكم إمبريالى مباشر ( أراض غير مأهولة أو ضائعة

النوعية الحضارية الناتجة


طبيعية


منحرفة


منحرفة

المصدر: كتاب الجذور الشرقية للحضارة الغربية
بروفيسور جون هوبسون - أستاذ العلاقات الدولية فى جامعة شيفيلد
ص261
اصدارات مكتبة الأسرة 2007

** ** **

قبل أنا أشرح تأثير المرحلة الثانية - مرحلة العنصرية العلمية - على الحركة الاستعمارية الأوربية، أود أن ننظر لتأثير ذلك نموذج مستعمرة شهير وهو القارة الأفريقية، حتى يتم تطبيق ما سأقوله بعد ذلك عليها

** ** **
"
كانت الإمبراطورية البريطانية بمثابة بناء فذ من التجارة الأمريكية والقوة البحرية البريطانية مشيد على أساسات أفريقية "
melaky Postlethwaite

** ** **

" إننا لن نسمح بأى حالٍ من الأحوال بعرقلة هذا النشاط الذى ثبت أنه عظيم الفائدة لشعبنا "
وزير المستعمرات البريطانى "Darthmauth" معلقًا على دعوات بعض الانسانيين بضرورة وقف تجارة الرقيق

** ** **

.. وكانت قافلة الرقيق تصل الى الساحل - بعد الغارات الأوروبية على القرى الآمنة لجلبهم - سيرًا على الأقدام، وتتكون من الرجال والنساء والأولاد، ولكن الرجال كانوا يكونون الأغلبية العظمى. وكانوا يربطون بالحبال كل اثنين معًا، ويمتد خط الرقيق الى عدة مئات من الأمتار، وكل صفين متتابعين أو أكثر كان يجمعهم عمود كبير من الخشب Slave Stik يربط الى أعناق الرقيق متتابعين، وقد تطلق أيديهم ليتاح لهم أن يحملوا على رؤوسهم بعض الأغذية أو السلع التجارية الأخرى التى تسير معهم، كالعاج والذهب، وخلف كل جماعة من العبيد فرد أو أكثر يتولى مراقبتهم وبيده سوط لا يتوانى عن ضربهم به وبقسوة بالغة، فى حال تقاعسهم عن السير.
وكان الضعفاء يسقطون اعياءًا نتيجة لعدم وجود قدر من الأغذية أو الرعاية الصحية، فيقتلون أو يتركون ليلقوا مصرعهم على الطريق. وقد ظلت عظام هؤلاء المساكين الذين لقوا حتفهم فى الطريق علامات بارزة توضح الطرق التى سلكها هؤلاء التعساء حتى القرن 19 .
وكانت هناك 3 طرق تسير عليها السفن فى المحيط الأطلسى، أولها الطريق الشمالى الذى كان يتجه الى الشاطئ الشرقى لأمريكا الشمالية، والثانى هو الأوسط الذى يتجه الى جزر الهند الغربية، ثم الجنوبى الذى يتجه الى ساحل البرازيل الشرقى.
أما السفن البريطانية فقد كانت لها رحلة خاصة سميت باسم " المثلث الدموى "، تخرج السفن من بريطانيا حاملة منتجاتها الصناعية الى غرب وجنوب أفريقيا ثم تخرج منها مستبدلة شحنتها بالعبيد الى سواحل جزر الهند الغربية، فتستبدلهم هناك بمنتجات هذه البلاد من قصب السكر والبن عائدة الى بريطانيا.
وكانت الرحلة عبر الأطلنطى بالغة القسوة، لا مثيل لها فى أهوالها، ويصعب على العقل أن يتخيلها، فعلى سبيل المثال كان العبيد الذين يشحنون من أنجولا يموت منهم ما بين 20% : 30% من إجمالى الأعداد التى يتم شحنها بسبب المرض أو الانتحار أو الاختناق داخل سفن العبيد نتيجة لتكدسهم بأعداد ضخمة تفوق مقدرة استيعاب هذه السفن.
وقد أشارت بعض الدراسات التى تعرضت الى هذه التجارة البشعة الى أن القارة الأفريقية فقدت ما يربو على المائة مليون أفريقى، مما يوضح بجلاء ما تعرضت له القارة من عمليات نزح بشرية رهيبة، أثرت بدورها على تلك المجموعات الأمنة اجتماعيًا واقتصاديًا. وكانت الخسارة الضخمة لقوة العمل الأفريقية تمثل خطورة كبيرة لأنها غالبًا كانت تشكل من الرجال والنساء اللائقين بدنيًا وصحيًا، وكان تجار الرقيق يفضلون دومًا أن يكون ضحاياهم فى أعمار تترواح ما بين 15 :35 عامًا.
وكانت سفن العبيد قد تم بناؤها وفقًا لوضع خاص، فقد كانت صغيرة الحجم قليلة الحمولة، وكانت مقسمة تقسيمًا أفقيًا على هيئة أرفف عرض الواحد منها 3 أقدام يوضع عليها الرقيق وأيديهم مصفدة بعد أن يتم توزيعه على جانبى السفينة فكان الرجل فى ناحية والنساء فى الناحية الأخرى ومعهن أولادهم.
وإذا كان الربح يتضاعف كلما زاد العدد، فقد كانت السفن تحمل أكبر عدد ممكن حتى قد لا يتمكن الرقيق من الدوران حول أنفسهم، وكانت السفينة التى تبلغ حمولتها 150 طنًا تحمل أكثر من 600 عبد.

وفيما يتعلق بانجلترا التى قدر لها أن تلعب دورًا هامًا وحيويًا فى هذه التجارة البشعة، فقد كانت أول محاولة من جانبها للوصول الى الدنيا الجديدة، تلك التى قام بها " Sir. Wallter Raly " عندما قام بتأسيس أو مستعمرة بريطانية هناك أطلق عليها اسم " Virginia " ثم أخذت بريطانيا تتوسع فى استعمار أمريكا وجزر البحر الكاريبى ( جزر الهند الغربية )

وفى محاولة من بريطانيا لكسر إحتكار البرتغال لمكاسب تجارة الرقيق الأفريقى، تألفت العديد من الشركات البريطانية، منها " شركة المغامريين الملكيين لأفريقيا " والتى تأسست نتيجة لتدعيم الملك شارل الثانى لمجموعة من التجار الانجليز ومنحهم امتياز الاتجار مع أفريقيا، وتكوين شركة لهذا الغرض، وقد تغير اسم الشركة فى عام 1672 الى " الشركة الافريقية الملكية " والتى كان ملك انجلترا ذاته من بين حملة أسهمها ومؤسسيها، وأنيط بهذه الشركة مد المستعمرات البريطانية ب 3000 عبد سنويًا على أن يكون ثمن العبد معادلاً لثمن طن واحد من السكر آنذاك ( 17 جنيهًا استرلينيًا ).
ومما هو جدير بالملاحظة والذكر أن الشركات البريطانية كانت تعمل أولاً فى حقل تجارة الذهب، ثم بدأت تتجه الى تجارة الرقيق منذ عام 1663 عندما حصلت شركة المغامرين على إمتياز العمل والاتجار فى أفريقيا، كما حصلت على عقود تتيح لها تصدير الرقيق الافريقى الى المستعمرات الاسبانية والبريطانية عبر المحيط. وقد بلغ عدد الرقيق الذى ارسل الى المستعمرات البريطانية فى العالم الجديد فيما بين عامى 1680 : 1786 نحو مليونين ونصف المليون من الرقيق، وكان عدد من يصل أحياء من هؤلاء لا يتعدى النصف نتيجة لظروف الرحلة الكارثية التى كان يتعرض لها هؤلاء التعساء.
وكان للرقيق الافريقى الدور الأعظم فى الثورة الصناعية فى انجلترا خصوصًا وأوروبا عامة، فانه إذا كانت حركة الكشوف الجغرافية هى التى مهدت للثورة التجارية التى قامت بدورها بجلب الرقيق الى انجلترا وكانت عظامهم ودمائهم هى وقود أفران الثورة الصناعية الانجليزية التى قامت بدورها بدفع عجلة الاستعمار نحو القارة الافريقية سريعًا، فأصبح أكثر شراسة وضراوة وأشد نهمًا من ذى قبل، بعد إذ اكتشفوا أن القارة تمتلك الكثير من الموارد الطبيعية والتعدينية التى تحتاجها مصانع أوربا.
وقد تجلت قمة التعبير عن الموقف العنصرى البريطانى الكامن فى تحويل الأيدى العاملة السوداء الى سلعة عن طريق تجارة الرقيق، فتجارة العبيد من الزنوج والأفارقة بشكل عام مكنت الصناعة البريطانية من التقدم - على الأقل - فى 7 سبل رئيسية نلخصها فيما يلى:
1- تتمثل المساهمة الأولى فى المكاسب التى نتجت عن طريق العبيد، وقد قلل( Roger Anesty ) و ( Stanley Ingerman) الخبير الاقتصادي من جامعة روشستر من ذلك بادعاء أن المكاسب من تلك التجارة كانت قليلة جدًا اذا ما قيست كنسبة من الاستثمار والدخل القومى ( الجدل بالنسب الضئيلة ). ومع ذلك وتعليقًا على بيانات (انجرمان ) تجادل ( بربارة سولو ) بأنه فى عام 1770 شكلت المكاسب من تجارة الرقيق ما يقرب من 8% من إجمالى الاستثمار، و 39% من إجمالى الاستثمار التجارى والصناعى.. هذه النسب ليست نسب ضئيلة، بل هى نسب ضخمة جدًا، ولغرض المقارنة أضيف أنه فى عام 1980 فى الولايات المتحدة الأمريكية بلغت نسبة المجموع المشترك للأرباح المحلية الى الاستثمارات الخاص 40%، فضلاً عن ذلك، لا توجد صناعة أمريكية وحيدة اليوم تحقق أرباحًا تصل الى 8% من مجموع الاستثمارات. ويكفى فى هذا الصدد أن نعرف أنه بلغت المكاسب من تجارة العبيد فى أعوام 1784 : 1786 كنسبة من الاستثمار البريطانى الكلى ثلاثة أضعاف النسبة التى مثلتها صناعة السيارات الأمريكية فى الاستثمار الأمريكى ككل، وذلك بعدها بمائتى عام!
ورغم ذلك نجد تقدير (Roger Anesty) لأرباح تجارة العبيد لا تزال أكثر بخلاً مما قدمه (Ingerman ) الذى تشير بياناته الى أن الأرباح شكلت 11,.% فقط من الدخل القومى، وهى نسبة تثير ما يكفى من السخرية لتحطيم أهمية الدور الذى لعبته تجارة العبيد فى تمويل الثورة الصناعية البريطانية.
والمهم أن ما تحجبه هذه الأرقام هو تطبيق جدال ( النسب الضئيلة ) بنفس الطريقة على مستويات الاستثمار الرئيسية فى صناعات القطن والحديد ، والتى كانت القاطرة بالنسبة للصناعة البريطانية، وبالفعل شكلت مستويات الاستثمار فى هاتين الصناعتين بشكل فردى نحو 22,.% من الدخل القومى فى الفترة ما بين 1780 : 1800.
لاحظ أيضًا أن ليفربول كانت على مقربة من صناعة القطن فى لانكشاير، مما أتاح منفذًا جاهزًا لبعض المال المتراكم ومما يلفت النظر أنه بافتراض نسبة إدخار تصل الى 7% من الدخل القومى، نستخلص أن أرباح تجارة الرقيق كانت قد رفعت إجمالى الاستثمارات الى بنسبة 11, غير ذات الشأن إلا أن هذه الأرقام لا تعكس بدقة علاقة الأرباح بالاستثمار، والتى سوف تكون أقوى من ذلك. وإذا افترضنا أن 50% من الأرباح ذهبت الى صناعة القطن، فإن ذلك كان سيمول مابين 25% : 30% من مجموع الاستثمارات الصناعية، وهى أرقام تشير الى نظرية ( النسب الكبيرة ).
فى كلتا الحالتين فإن المشكلة الملحة مع هذا الجدال تكمن فى أن يقدر أثر الرقيق الأسود على الصناعة البريطانية من خلال أرباح تجارة العبيد فقط. ومن ثم يفترض أنه لو كانت أرباح تجارة العبيد غير هامة بالنسبة للصناعة، فإن نفس الشئ يسرى على تجارة العبيد نفسها. واكن يغفل هذا الافتراض المساهمات العديدة التى قدمتها الأيدى العاملة السوداء،بالاضافة الى الأرباح وما نتج عنها، والتى كانت لها أهميتها للصناعة البريطانية فيما لا يقل عن 6 مجالات أخرى.
2- مساهمة أفريقية ثانية تتمثل فى إعادة استثمار الأرباح الناتجة عن استغلال ملاك المستعمرات من البريطانيين للأيدى العاملة السوداء فى الأمريكيتين.
فبعد عام 1750 كان العديد من مزارع ( عمالة ) العبيد السود مملوكة لأصحاب أراض من البريطانيين المتغيبين. كان ذلك يعنى أن الأرباح الأساسية الناتجة عن صادرات تجارة المستعمرات وجدت منفذًا مباشرًا فى الصناعة البريطانية. ومن الأهمية ذكر أنه بنهاية القرن 18 بلغ الدخل من من الأملاك الاستعمارية 50% من إجمالى الاستثمار البريطانى. وباعتبار أن الكثير من ذلك كان يمكن إعادة استثماره فى الصناعة البريطانية، فإن ذلك وحده كان يمكن أن يوفر إضافة هائلة للصناعة. علاوة على ذلك، فى 1770 شكلت الأرباح من تجارة التصدير من جزر الهند الغربية وحدها 38% من مجموع الاستثمارات البريطانية الخاصة أو 2.5% من الدخل القومى.
يعنى هذا أنه كان يمكن أخذ 15% فقط من هذا المبلغ لتمويل جميع استثمارات صناعة القطن البريطانية ( هذه هى نظرية " النسب الكبيرة ").
3- المساهمة الأفريقية الثالثة هى أنه فى عام 1801 على سبيل المثال، قام صافى عائدات الصادرات البريطانية بإعالة ما يقرب من نصف القوى العالملة غير الزراعية فى انجلترا وويلز. كان حوالى 60% من تلك التجارة فى ذلك الوقت مع منطقة تركز العبيد الأمريكيين والعبيد الأفارقة، ويعنى ذلك أن المستهلكين الزنوج والعبيد السود قاموا بإعالة حوالى ثلث مجموع القوى العاملة غير الزراعية فى انجلترا بالإضافة الى سكان ويلز. ويعتبر هذا وحده مساهمة ضخمة جدًا.
فضلاً عن ذلك لو أن العمال الانجليز و( الولش- The Walsh ( سكان ويلز ) ) الذين عالهم الزنوج قاموا برد8% من دخلهم ( نسبة الإدخار الشخصى المحلية السائدة )، لمول ذلك وحده ما يقل قليلاً عن نصف إجمالى الاستثمار فى صناعة القطن، وهى علامة أخرى على نظرية ( النسب الكبيرة ).
4- نجد مساهمة متميزة من العبيد الزنوج فى إمداد مستعمرات الأطلنطى للصناعة البريطانية بالمواد الخام والخدمات ومن الأهمية هنا ذكر أنه فى نهاية القرن 18 بلغت نسبة السلع / المواد الخام المنتجة بيد الأفارقة فى الأمريكات نسبة كبيرة بلغت83% ( وبقيت عند 69% عام 1850).
الأكثر بروزًا هنا هو توفير القطن الخام الذى كان ينتج فى الأمريكات بواسطة العبيد السود بشكل شبه حصرى. ومع ذلك إدعى (إنجرمان) أن قيمة الناتج من تجارة العبيد لم يشكل نسبة ذات شأن من الدخل القومى البريطانى ( جدل النسب الضئيلة ).
إلا أنه بدون القطن الخام الذى أنتجه العبيد، لم يكن لصناعة القطن البريطانية أن تلعب هذا الدور المحورى فى الصناعة الانجليزية بوجه عام.
وبشكل له أهميته يشير (Kennith Pomeranz ) أنه عندما انقطعت صادرات القطن الأمريكية المعتمدة على عمال العبيد فى الفترة ما بين 1861 : 1962 ( خلال الحرب الأهلية الأمريكية ) إنخفض الاستهلاك البريطانى للقطن بنسبة 50% كما تضاعفت الأسعار. وخلال عام واحد فقط، خفضت مصانع لانكشاير ما لديها من أيدٍ عاملة الى النصف، كما أفلست العديد من الشركات. ومن اللافت هنا أن البريطانيين استجابوا لذلك بالتحول الى إمدادات القطن الخام المصرية ( بالإضافة الى وارادات القطن الخام الهندية )، وبذلك استمر اعتمادهم على الأيدى العاملة السوداء.
5- ساهم كل من تجارة العبيد والناتج من إنتاج العبيد فى تحفيز المالية البريطانية بشكل هائل. وقد توسع كل من بنك باركليز وبنك لويدز كنتيجة لبعض هذه الأرباح ( كما حدث لبنوك أخرى أصغر).
إنتعشت المؤسسات المالية البريطانية بشكل كبير نتيجة الاحتياج الشديد الى الائتمان ( بالاضافة الى التأمينات) من جانب مالكى العبيد وأصحاب مزارع العبيد من البريطانيين.
ويكفى أن نعرف أن حوافز التأمينات لتجارة العبيد وتجارة جزر الهند الغربية بلغت 63% من إجمالى سوق التأمين البحرى البريطانى.
6- تجلت مساهمة أفريقية سادسة للصناعة البريطانية فى إجمالى الأرباح الناتجة عن الصادرات البريطانية للإمبراطورية. وعلى سبيل المثال، فى أعوام 1784 - 1786 شكلت هذه الأرباح ما وصل الى 55% من إجمالى الاستثمار البريطانى، أو 64% من مجموع الاستثمارات الخاصة ( 80% من هذا الرقم يأتى من التجارة مع أفريقيا والأمريكات ).
تأتى أهمية ذلك من أن المبالغ المستثمرة فى صناعة القطن شكلت 4% فقط من مجموع الاستثمار البريطانى، ومن ثم سوف تأخذ 9% من الأرباح من التجارة الثلاثية - المثلث الدموى الذى أشرنا إليه بالأعلى - لتمويل إجمالى إستثمارات صناعات القطن. ومن الواضح أن نسبة 9% لهى رقم بخس للمبالغ غير الصافية الناتجة، التى غالبًا ما كانت ستتجه للاستثمار فى الصناعة البريطانية بوجه عام. وليس بأقل أهمية ذكر أن إجمالى أرباح التجارة الإمبريالية كان أكثر كثيرًا جدًا من المجموع الإجمالى للاستثمارات البريطانية، وذلك لأن الكثير من الصادرات التى اتجهت الى أوروبا كانت فى الواقع عبارة عن إعادة تصدير لمنتجات مستوردة من المستعمرات ( جاءت بشكل رئيسى من مستعمرات العبيد السود). معنى ذلك، أن الأمر كان يتطلب أقل بكثير من 9% من الأرباح الناشئة عن طريق المثلث التجارى من أجل تمويل صناعة القطن البريطانية. (ربما 6% فقط ).
7- وأخيرًا تكمن مساهمة أفريقية سابعة فى واقع أن نظام التجارة الثلاثى لم يتح أرباحًا كبيرة فحسب، بل وفر أيضًا طلبًا كبيرًا على الصادرات البريطانية، لو لم يوجد لكانت الصناعة البريطانية تقيدت بشكل كبير، وبينما كانت هذه الأسواق هامة بالنسبة لأنواع عديدة من الصناعات، إلا أنها كانت مع ذلك أساسية بالنسبة لنشأة صناعتى الحديد والقطن شديدتى الأهمية بالنسبة لانجلترا فى ذلك الوقت.
** ** **
" سهول أمريكا الشمالية وروسيا هى حقولنا للقمح والذرة، شيكاجو وأوديسا حقولنا للحبوب، كندا والبلطيق هى غاباتنا للأخشاب، وتوجد فى استراليا مراعينا للأغنام، وفى الأرجنتين والبرارى الغربية لأمريكا الشمالية توجد قطعاننا من الثيران، تبعث بيرو بفضتها إلينا، ويتدفق ذهب جنوب أفريقيا واستراليا الى لندن، والهنود.... يزرعون لنا الشاى، بينما مستعمراتنا توفر لنا القهوة والسكر والبهارات التى تُزرع كلها فى أرجاء الهند... وحقولنا للقطن التى احتلت لفترة طويلة جنوب الولايات المتحدة، امتدت الآن لتصل الى كل الأجزاء الدافئة على الأرض... إن أجزاء الكرة الأرضية الأربعة ترغب فى الخضوع لنا "
** ** **
" لم يقدموا نسخًا كربونية من الاقتصاديات الصناعية الأوروبية. على العكس، بقيت المستعمرات بشكل أكثر زراعية. لقد كانت هناك لتدعم، وليس لتنافس النظام الصناعى الأوروبى، عن طريق الامداد بالمواد الغذائية والمواد الخام وتوفير أسواق للسلع المصنعة "

** ** **

" لقد تعرضنا للاضطهاد على نحو شديد، وواجهنا الاستغلال على نحو شديد، وتم تجاهلنا على نحو شديد "
مواطن أفريقي
** ** **
لم تقتصر المساهمات الأفريقية فى الرخاء والنهضة الأوروبية عند هذا الحد، فكما أوضحت سابقًا، كان العبيد الأفارقة هم الوقود الذى أشعل أفران الثورة الصناعية البريطانية التى كانت بدورها الدافع الأوحد للعودة الى القارة مرة أخرى ولكن لأجل ثرواتها الطبيعية هذه المرة. إنتهت تجارة العبيد بشكل نهائى حوالى عام 1865 وهذا يعنى أنها استمرت 350 عامًا تقريبًا ولم تكد تمر 20 عامًا حتى بدأت الموجة الثانية من الاستعمار الأوروبى للقارة السمراء، تلك الموجة التى غطت النصف الثانى من القرن 19 وحوالى النصف الأول من القرن 20 وتميز الاستعمار هذه المرة بانه استعمار سكنى، يختلف عن موجة الاستعمار الأولى التى كانت ساحلية جدًا، مدارية جدًا، وتهدف الى الاستغلال التجارى الأقصى فقط.
وكان مؤتمر برلين الذى دعا اليه " Bismarck " مستشار الرايخ الألمانى فى عام ( 1884 ) لمناقشة أزمة الكونغو، وإمكانية وضع قوانين دولية لتنظم الملاحة والتجارة فى أفريقيا الغربية هو إشارة البدء بسباق جنونى مسعور على القارة.. هذا هو التكالب المشهور ( Scramble for Africa ).
وقد افتتح مؤتمر برلين أعماله فى 15 نوفمبر 1884، واشتركت فيه ألمانيا وانجلترا وفرنسا والنمسا والمجر وبلجيكا والدانمارك وإيطاليا وهولندا والنرويج والسويد والبرتغال وروسيا وأسبانيا وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية. وبدأ هذا المؤتمر فى مناقشة مشكلات القارة الأفريقية، ثم أصدر فى 26 فبراير 1885 قراره النهائى الذى يتألف من 38 مادة، كان من بينها الإقرار بسياسة " الباب المفتوح " فى أفريقيا لجميع الدول المشاركة فى المؤتمر، والإعتراف بولاية الكونغو الحرة وحيادها تحت سيادة ليوبولد الثانى ملك بلجيكا، الى جانب حرية الملاحة فى نهر النيجر كذلك نصت قرارات المؤتمر - فيما نصت عليه من قرارات -، على أن ( تقوم كل دولة بإبلاغ الدول الأخرى عندما يتم لها إمتلاك جزء من الأراضى أو السواحل الأفريقية، من غير أملاكها الراهنة، أو عندما تقوم بتأسيس محمية لها ) وتضمن قرار أخر إعترافًا دوليًا بمبدأ " الإحتلال الفعلى أو مبدأ السلطة الفعلية " وكانت هذه المادة تهدف الى إلزام الدول التى تقوم باحتلال منطقة ما من الأراضى الأفريقية، أن تقيم فيها سلطة فعلية لضمان إستمرار حرية الملاحة والترانزيت.
وجاء الزحف الأوروبى المسعور كاسحًا بصورة لم تعرف فى التاريخ، حتى فى العالم الجديد، ففى غضون عقد واحد من انعقاد مؤتمر برلين كان قد تحدد كل شئ.
ففى عام 1893 كانت كل القارة قد اقتسمت بين القوى الأوروبية وانخفضت نسبت المساحة المستقلة فيها من 95% عام 1885 الى 8% عام 1910 !
هذا بينما فى آسيا لم يصل الإستعمار الى منتهى رقعته الا على مدى فترة طويلة، كما أنه لم يتعد فيها حده الأقصى الا قطاعًا معينًا فى القارة.
أما أفريقيا فانها تنفرد بين القارات الجنوبية بأنها الوحيدة التى خضع أغلبها للاستعمار. وفى وقت لم يكن هناك دولة مستقلة - ولكن شكليًا - الا ليبيريا.
وبهذا كانت أفريقيا هى القارة المستعمرة، أو المستعمرة القارة بالضرورة، كانت أكبر مستعمرة منفردة فى العالم، وأضخم معمل للتجارب الاستعمارية فى التاريخ.
والذى شارك فى هذا التكالب كان دول أوربا البحرية بالذات، لكن مع تخلف واستبعاد بعض القوى القديمة كهولندا والدانمارك ودخول بعض القوى الجديدة كألمانيا وإيطاليا وبلجيكا. وقد كان الصراع فى أفريقيا انعكاسًا للصراع فى أوربا، وتحددت نتائجه بأقدار وأوزان تلك القوى فى قارتها، كما أن هذه النتائج بدورها أكدت تلك الأقدار والأوزان والهيبة، فاما ضاعفتها واما أضعفتها. وفازت القوى الكبرى بنصيب الأسد، وخرجت القوى الصغرى بفتات المائدة.
ولقد كان الحد الأقصى من التوسع هو الهدف المباشر للجميع، يضاف اليه الوصول بقدر الامكان الى الأنهار الرئيسية، وإن أمكن كذلك تحقيق الاتصال الأرضى بين مستعمرات كل قوة. وفى إطار هذا التوجه، بدأ الهجوم على القارة من كل الجهات تقريبًا، وعدا القوة المباشرة كان للمقايضات الاقليمية والمساومات والمبادلات والتفاهمات دورها مثلما كان للعداوات والتحديات والمخالفات والمصادمات.
وبوجه عام كانت الصدامات الأكثر خطرًا هى تلك التى دارت بين القوى الكبرى كبريطانيا وفرنسا وألمانيا، بينما كانت القوى الصغرى تعتمد على نوع من الحماية من بعض القوى الكبرى ( مثل البرتغال بالنسبة الى بريطانيا ) وإما على " تحييد " القوى الكبرى لبعضهما البعض ( مثل بلجيكا بين بريطانيا وألمانيا ).
وقد بدأ التوغل ببريطانيا، وبدأت بريطانيا التوغل من قواعدها الساحلية فى غرب أفريقيا حيث حققت توسعًا " بحريًا " يتمثل فى عدة مستعمرات متوسطة الأحجام ولا تتعمق كثيرًا فى الداخل فضلاً عن أنها منفصلة عن بعضها البعض.
كذلك دخلت ألمانيا باسفينين منفصلين فى توجو والكاميرون. أما فرنسا فقد دخلت من الكوة أو البوابة الحقيقية لغرب أفريقيا وهى ذلك الشريط السفانى المحصور بين الصحراء شمالاً والغابة جنوبًا. وقد قادها ذلك الى الشارع الرئيسى للحركة فى غرب أفريقيا، فاندفعت فيه شرقًا واندفعت منه جنوبًا لتدخل اقليم غانا من الباب الخلفى، ولتملأ الفجوات الأرضية الواسعة بين الأسافين البريطانية والألمانية.
وبهذا أصبح النمط السياسى متداخلاً على التوالى كقطع الموزايكو: " مستعمرة فرنسية فبريطانية، ففرنسية فألمانية، ففرنسية فبريطانية، وهكذا.
وفى شرق أفريقيا بدأت انجلترا بمستعمرة فى كينيا وأوغندا، لم تلبث أن اتصلت بمستعمراتها النيلية فى الشمال. ولم تلبث ألمانيا أن ناظرتها بمستعمرة واسعة فى تنجانيقا، بينما أغلقت بلجيكا جذع القارة من الغرب بمستعمرتها الضخمة فى الكونغو.
والى الجنوب من هذا كانت البرتغال تتوسع من شريطيها الساحليين القديمين لتكون موزمبيق وأنجولا. وفى نفس الوقت كانت بريطانيا بعد أن انتزعت الكاب من هولندا أثناء الحروب النابوليونية - أخطأها البرتغاليون بصورة غريبة أثناء كشفهم للهند - فقد إتخذت منها رأس حربة للاندفاع الى قلب القارة شمالاً على طول العمود الفقرى للمرتفعات والهضاب السافانية. بينما ملأت ألمانيا الفراغ على الساحل الغربيى بين الكاب وأنجولا بجنوب غرب افريقيا.
وهنا حاولت كل من المانيا والبرتغال أن تصل ما بين أراضيها شرقًا وغربًا لتغلق الطريق على التوسع البريطانى: أمانيا ما بين تنجانيقا وجنوب غرب أفريقيا ، والبرتغال ما بين موزمبيق وأنجولا. ولكن كانت اليد العليا لبريطانيا، فنجحت فى أن تتمدد شمالاً عبر الروديسيتين.
وبعد هذا بدأت بريطانيا تتطلع الى حلم ضخم هو طريق ( الكاب - القاهرة ) فى محاولة عظمى لربط مستعمراتها فى أقصى شمال وجنوب القارة على محور طولى هضبى فى الجنوب نيلى فى الشمال.
وقد اصطدم هذا المشروع بمشروع مماثل - ولكنه عرضى - لفرنسا للتوسع على طول محور السافانا عبر السودان الأوسط حتى يصل عبر سودان النيل الى جيبها الصغير فى الصومال الفرنسى على البحر الأحمر.
وكان اللقاء بين الأسد والنمر فى سافانا فاشودة والتى حسمها فى الحقيقة توازن الأساطيل الحربية فى الأطلسى أكثر منه توازن الكتاب المتوغلة فى أفريقيا، فتراجعت فرنسا وتحطم محورها العرضى، ليسود المحور البريطانى الطولى، الا من حلقة فى شرق أفريقيا لم تلبث أن استكملت فى الحرب العالمية الأولى حين آلت تنجانيقا الى بريطانيا التى تقاسمت مع فرنسا مستعمرات ألمانيا المنهزمة.
ولم يبق بعد ذلك الا القرن الأفريقى الذى تتوسطه وتسوده الحبشة التى استطاعت بنوع من المضاربة أن تحتفظ باستقلالها الحرج نتيجة للصراع المثلث بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا هناك. وقد حدث فى الواقع نوع من التكالب يعرف بالتكالب الصغير أو التكالب الثانى، تقاسمت فيه القوى الثلاث الصومالات الثلاثة واريتريا. وحاولت إيطاليا غزو الحبشة ولكنها هزمت فى معركة عدوة، حتى عادت فى ثلاثينيات القرن 20، فسقط أخر معقل مستقل فى أفريقيا. إلا أن هزيمة إيطاليا الأولى لم تنس قط، وكانت صفعة لادعائتها الامبراطورية ولهيبتها فى ميدان القوة، إذ أنها كانت أول قوة أوروبية تهزم فى العصر الحديث على يد قوة غير أوروبية، وتسبق فى هذا هزيمة روسيا القيصرية على يد اليابان.
وإذا نحن الأن حللنا المحصلة النهائية للصراع كما أخذت شكلها النهائى بعد الحرب العالمية الأولى، فسنجد أن بريطانيا هى التى خرجت بنصيب الأسد مسيطرة على نحو 45% من القارة وموزعة فى وحدات كلها من أغنى مناطق أفريقيا طبيعيًا وتعدينيًا. إنها الإمبراطورية الثالثة لبريطانيا بعد أمريكا سابقًا والهند لاحقًا. ثم تلى فرنسا بنحو 21% من السكان فى مساحة مترامية، لكن رقعة ضخمة جدًا منها صحارى وأشباه صحارى. هذان اذن هما " الاستعمار الكبير"، ينتشر فى كل أركان القارة، وفى أغلب أقاليمها الطبيعية، فى النصف الشمالى والجنوبى، شرقًا وغربًا على السواء.
أما " الاستعمار الصغير " - وهو محلى التوزيع كقاعدة - فتمثله إيطاليا التى خرجت بصندوق من الرمال فى الأعم الأغلب، داخلى بقدر ما هو ساحلى، ويطل على البحرين الأحمر والمتوسط، ويتألف من 4 وحدات تلتئم فى كتلتين منفصلتين. وتأتى البرتغال بوحدتين كبيرتين واسفينيين قزميين. ولكن إذا كان الاستعمار الإيطالى هو أحدث استعمار فى القارة فإن الاستعمار البرتغالى هو أقدمها ( 5 قرون ). وإذا كانت مستعمرات إيطاليا لفقرها أعجز من أن تتلقى الاستعمار، فإن البرتغال على العكس كانت قوة أعجز من تتحمل أو تستثمر مستعمراتها. ومن الناحية الأخرى فإن امبراطورية أسبانيا فى أفريقيا لا تخرج عن امبراطورية جيوب وأسافين هزيلة فقيرة مشتتة ما بين المغرب وخليج بيافرا.
ولا يبقى بعد ذلك الا دول المستعمرة الواحدة. منها بلجيكا التى لم تملك فى العالم الى الكونغو، لكن الكونغو قد تكون أغنى مستعمرة فى أفريقيا اقتصاديًا ( يقرر المؤرخون أن الملك ليبولد الثانى ملك بجيكا قد جمع من الكونغو منذ بدء استعمارها وحتى 1906 حوالى 20 مليون دولار من تجارة المطاط والعاج، ويقدر البلجيكيون أن حجم رأس المال الأجنبى الذى تدفق الى الكونغو فيما بين عامى 1887 : 1953 قد بلغ 5700 مليون دولار، كما أن الأموال التى تم نزحها الى الخارج خلال الفترة ذاتها قد وصلت الى 4300 مليون دولار، هذا بالاضافة الى الأرباح التى تم الاحتفاظ بها داخل الكونغو! )
وكانت الكونغو تبلغ 50 مرة مساحة بلجيكا!
ثم هناك الولايات المتحدة مع ليبيريا، وكالمألوف مع الولايات ليس هذا استعمارًا رسمياً بل علاقة مثل عليا وفروسية سياسية، ترجع الى محاولة توطين الرقيق الأمريكى المحرر العائد، وتترجم فى الواقع الى استعمار غير رسمى كما يعترف الكتاب الأمريكيون أنفسهم.
يتبع..

الاثنين، ٢١ يوليو ٢٠٠٨

الإمبريالية كرسالة أخلاقية.. انجلترا نموذجًا... 1

" ( السلام البريطانى ) دائمًا مغالطة وقحة، أصبحت وحشًا بشعًا من الرياء "

John A. Hobson

** ** **
" إنى أؤمن بهذا العرق، أعظم عرق حاكم عرفه العالم.. أؤمن بالجنس الأنجلو ساكسونى، الفخور، المتماسك، الواثق بنفسه، وصاحب العزيمة، هذا العرق الذى لا المناخ ولا التغيير يمكنهما أن يجعلاه ينحط، والذى سوف يكون – بلا جدال – القوة السائدة فى مستقبل التاريخ والحضارة العالمية "


يخدم هذا المقال غايتين أساسيتين:
1 - التعريف ب " كيف نظر الغربيون - البريطانيون تحديدًا - الى أنفسهم فى فترة النهضة بعد فترة تشكيل الهوية التى أوضحناها فى مقال سابق.
2 - كيف تعامل الغربيون مع الأخرين بناءًا على نظرتهم لأنفسهم وللعالم.

** ** **

عنوان جانبى هام جدًا: لماذا يكرهوننا؟!
ويستتبعه تعريف ضرورى لأوضاع (
العالم البريطانى فى القرن 19 البريطانى أيضًا )

** ** **

"
Is god British "

** ** **

ودع القرن 19 فترة مراهقته، وقد اجتمع انقلابان خطيران:
أولاً: انتقال السيادة العالمية نهائيًا الى بريطانيا بعد أن أزاحت فرنسا الى الأبد عن الصدارة.
ثانيًا: بدء الانقلاب الصناعى فى بريطانيا، وهو الأمر الذى أكد زعامتها فى العالم بدون منافس حقيقى. ومنذ ذلك ولمدة قرنٍ تقريبًا ظلت القوة السياسية والمادية فى العالم احتكارًا لبريطانيا، وكان القرن 19 بحق قرن السيادة البريطانية - قرن بريطانيا.
ورغم أن فرنسا ظلت تناوئها وتتصدى لها، فلم يكن هذا الا من موضع اليد السفلى، الى أن اضطرت بعد قرنٍ كامل أن تعترف بالأمر الواقع لتسوى خلافاتها معها فى الاتفاق الودى عام 1904، ولتتحول فى النهاية الى شريك ثان لها وحليف، أو - بالأحرى - الى صديق لدود، لاسيما بعد ظهور منافس خطير يهدد الاثنين ولكن فرنسا بصفة مباشرة، ونعنى به ألمانيا.
هنالك انطلقت بريطانيا تتفجر وتتواثب، بل وتعربد حول العالم لتستكمل أضخم وأوسع امبراطورية بحرية عرفها التاريخ.
ففى قمة توسعها وصلت الامبراطورية الى أن تغطى ربع مساحة اليابس، وأن تحكم ثلث سكانه، أو نحو 14 مليون ميل مربع، 1000 مليون نسمة على الترتيب.
وأبرز حقيقة على هذه الامبراطورية الماموث هى بلاشك تبعثرها فى ( جزر سياسية ) منفصلة متقطعة تفصلها آلاف الأميال من البحار والمحيطات، ولا يكاد محيطها يقل - عمليًا - عن محيط الكرة الأرضية.
ومن هنا فقد كانت امبراطورية عالمية بكل معنى الكلمة. لها أعضاء تمثلها فى كل قارة بما فى ذلك أوروبا نفسها، وتكاد تترامى عبر كل خطوط الطول والعرض فى العالم ( 320 درجة طولية × 130 درجة عرضية )، وتمتد بلا استثناء فى كل المناطق المناخية، والأنواع النباتية والبيئات الطبيعية والأقاليم والأنماط الجغرافية، كما انتظمت تقريبًا كل الأجناس الرئيسية والديانات والى حد ما اللغات. باختصار كانت متحفًا منثورًا لعينات من الكرة الأرضية والعائلة البشرية ( لا تغيب عنه الشمس ).
ومثل هذه الإمبراطورية الدائرية المترامية كانت بطبيعة الحال - ولم يكن لها بد من أن تكون - امبراطورية بحر فى الدرجة الأولى، بل الحقيقة أنها كانت بالضرورة نتج السفينة البخارية، وامبراطورية عصر البخار، بغيرها ما كان يمكن أن تقوم وإذا قامت فبغيرها ما كان يمكن أن تستمر. ولهذا كانت خطوط الملاحة هى شرايين الامبراطورية وخطوط الحياة بالنسبة لها. وكان الهيكل الذى يمسك بهذه المستعمرات المبثوثة يتألف من 5 خطوط تسمى ( أحزمة الإمبراطورية - Girders of Empire ) أهمها بلا شك طريق السويس البحرى الداخلى الذى يشق قلب الإمبراطورية الفعال، ثم طريق الرأس الدائرى البديل، والى الغرب تنبعث الخطوط الثلاثة الأخرى، وأولها خط كندا والولايات المتحدة ولم يكن يقل أهمية عن خط السويس، والطريق التالى هو طريق (بنما - هاواى - استراليا ونيوزيلندا) أما الطريق الأخير فطريق جزر فوكلند بحذاء جنوب شرق أمريكا الجنوبية.
وعلى هذه الشبكة الأخطبوطية ترتكز الامبراطورية على مجموعة من القواعد العسكرية الاستراتيجية التى تمثل نقط أو عقد القوة الاستراتيجية فيها، والتى تعتمد أساسًا على الضبط والاستعمار الساحلى. ومع مقدم عصر الطيران ازدوجت هذه الشبكة فى الواقع بشبكة جوية مركبة فوقها، كما تكملها فى بعض حلقاتها شبكة طرق وسكك حديدية على القارات.
فى هذا الإطار اكتملت سيادة بريطانيا البحرية الى درجة الاحتكار المطلق للقوة البحرية فى العالم، وأصبحت عملية مراقبة البحار العليا والإشراف وظيفة بريطانية بحتة، وتحققت بهذا بوحدة المحيط العالمى كأقوى ما يكون، ولا نقول أصبح المحيط العالمى أصبح بحيرة بريطانية! ولقرنٍ بأكمله لم تستطع قوة ما أن تتحداها.
غير أن هذا كان فى الواقع دوراً بوليسيًا لا شك فيه، وفى هذا المعنى وحده ينبغى أن نفهم معنى ( السلام البريطانى / Pax Britannica) الذى فرضته طوال ذلك القرن وظلت تفخر به طويلاً، وتضليلا..
وفى ظل هذه الاستراتيجة البحرية المدرعة استطاعات بريطانيا أن تصبح تاجر العالم الأول مثلما جعلها الانقلاب الصناعى مصنعه الأول. ففى اقتصاديات آسيا وأفريقيا كان لها الدور الاحتكارى المطلق، بينما كانت هى وحدها المسيطر الرئيسى على الاستثمارات والتمويل فى أمريكا الجنوبية. وفى النتيجة أصبحت بريطانيا تستمد من هذا الدور الجزء الأكبر من قوتها وثرائها المادى بدرجة تتضائل بجانبها كثيرًا مواردها وإمكانياتها الذاتية البحتة.
ولم يكن لذلك غريبًا أن تضاعف سكانها 4 مرات خلال ذلك القرن رغم الملايين التى أرسلت الى ما وراء البحار خاصة الى أمريكا. وفى حمى هذه القوة العسكرية المطلقة والرخاء الاقتصادى النادر لم يكن غريبًا - أليس كذلك؟ - أن يصل الصلف والغرور الانجليزى الى منتهاه، وأن يظن الاستعمار البريطانى أن الأرض قد دانت له، وأن يتصور نفسه مركز الكون بل لقد تساءل بعضهم أيامها بالفعل - كذا - عما اذا كان (الله هو بريطانيا - Is god British )، لقد وصل بهم غرور القوة وعبادة الذات، ودعك من واجهة التهكم الى حد الكفر!
بيد أن المهم أن بريطانيا انما بنت دورها هذا على أساس نظريات ومدارس معينة تبنتها أو خلقتها حرية التجارة أولاً وتخصص الانتاج ثانيًا. ولو أن المبدأين جانبان فى الحقيقة لشئ واحد على أن الذى لم يعد فيه شك الأن هو أن تلك المبادئ أبعد شئ عن الحقيقة، بل قلب صارخ للحقيقة هى. فحرية التجارة كانت دعوة تتخفى حولها أعتى أنواع الاحتكار القائم على القوة العسكرية وهى كما قال بسمارك ( سياسة الأقوى).
أما التخصص فوسيلة لحرمان المستعمرات من التطور وللابقاء على تخلفها الى الأبد بحجة الجغرافيا الطبيعية.
والنتيجة أن اقتصاد بريطانيا كان فى جوهره اقتصاد حرب، واقتصاد قوة، وبغير الأسطول ودبلوماسية الزوارق المسلحة، كان من المستحيل أن تظهر ( مدرسة مانشستر فى التجارة الحرة )، وكان السلام البريطانى المزعوم سلام قوة، يقوم على الظلم والقهر ويعتمد على التهديد بالحرب، ومن هذه الحقيقة بالذات ستنبعث جرثومة الحرب العالمية الأولى.
** ** **
" فى يوم من الأيام سوف تزدهر تركيا والصين وبقية العالم إلا أن هذه الدول لن تبدأ فى التقدم حتى تنعم لابحقوق الانسان، وهذه لن يتم الحصول عليها إلا عن طريق الفتح الأوروبي "

Winwood Reade
** ** **

لا يمكننى تخيل - ولا أعتقد أنه من التعقل - الإعتقاد بأن الظاهرة الاستعمارية التى سادت العالم لأربع قرون كان سببها - فقط - ضغط جماعات المصالح الامبريالية أمثال شركات الهند الشرقية الانجليزية والهولندية والفرنسية والشركة الملكية لأفريقيا ولا حتى شخصيات استعمارية عتيدة أمثال: "Cecil Rhodes"، فالعقيدة واستمرار تدفق معانيها هى ركن اساسى فى استمرار نجاح الفكرة اذا ما صاحبتها القوة اللازمة للتنفي، وقد كانت القوة متوفرة.. متوفرة جدًا.
مرت العقيدة الاستعمارية الأوروبية بمرحلتين:
1- المرحلة الصليبية:
وتظهر جلية فى فترتها الأولى.. فترة خروج البرتغال ومن بعدها - أو فى نفس توقيتها تقريبًا - أسبانيا وسيظهر هذا جليًا جدًا فى يوميات رحلة كريستوفر كولومبوس الى أمريكا أو فى القراءة الطقوسية الاسبانية لأمر الفاتحين، والذى اعتبر انذارًا للهنود الحمر للاعتراف بتفوق المسيحية أو اعلان الحرب عليهم، ويذكر الجزء الأساسى فى النص:
" باسم صاحب الجلالة...... أنا......... خادمه ورسوله........ أتوسل اليكم وأطلب منكم بأفضل ما يمكننى ....... (أن) تعترفوا بالكنيسة بصفتها السيد والأعلى فى العالم الكونى..... اذا فعلتم ذلك سيستقبلكم جلالته وأنا باسمه..... أما اذا لم تفعلوا.... فانى بمعونة الله، سوف أدخل (البلاد) بقوة ضدكم، وسوف أشن الحرب عليكم فى كل مكان ..... سوف أخضعكم لعبودية الكنيسة وطاعتها.... سوف آخذ زوجاتكم وأطفالكم وأحولهم الى عبيد..... كما أنى سألحق بكم كل شر أو أذى قد يوقعه سيد بخدمه حينما لا يطيعون أو لا يستقبلونه "
إن هذا بالطبع يناقض ادعاءات منظرى مركزية أوروبا الذين يحلوا لهم أن يردوا خروج البرتغاليين و الأسبان الى الاستكشاف، يحلوا لهم أن يردوها الى حيوية وتطلع غير عادى فى شعوب غرب أوروبا، والى حب استطلاع ومغامرة وتفوق طبيعى فى الجنس. هم - بمعنى أخر - يثيرون تفسيرًا عنصريًا.
وتبدو العقلية الصليبية الدينية واضحة جدًا من أن خروج كولومبوس فى العام 1492 - عام سقوط الأندلس - كان بهدف جلب الذهب لملكى أسبانيا " فرديناند وايزابيلا " من أجل تجهيز الجيوش لاستعادة الأرض المقدسة، وقد تدخلت الكنيسة فيما بعد لتنسيق السيادة بين أسبانيا والبرتغال على الأراضى المكتشفة حديثًا، فنالت أسبانيا - بعد تحكيم البابوية فى ( معاهدة تورديسيلاس - Treaty of Tordesillas ) - كل ما يكشف فى نصف الكرة الغربى، والبرتغال كل ما يكشف فى نصفها الشرقى!.. وقد جعل خط هذه المعاهدة شرق أمريكا الجنوبية - البرازيل تحديدًا من نصيب البرتغال، بينما أصبحت بقية جسم أمريكا الجنوبية والوسطى امبراطورية قارية أسبانية ضخمة، ولو أن البرتغال تخطت الخط كثيرًا نحو الغرب بعد ذلك.
وتكمن نقطة التحول المباشر فيما يتعلق بتلك الرحلات - الرحلات البرتغالية الاستعمارية الأولى - فى استيلاء العثمانيين على القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية عام 1453، وهو ما أحدث أزمة كبرى فى العالم المسيحى. وقد تفاقمت أزمة الهوية المسيحية هذه باستيلاء المسلمين على أثينا ( مدينة مفكرى عصر النهضة المقدسة ) عام 1456. وهكذا تصاعد كورس عظيم من النواح:

- " لقد تدنست أرض الإغريق المقدسة ".
وحث " التهديد الإسلامى " مقترنًا بانشقاق وحدة المملكة المسيحية، الكنيسة الكاثوليكية على إصدار عدد من المراسيم البابوية، لأنه بالنسبة للكنيسة كان الأمر يماثل الى حد كبير مسألة حياة أو موت بالمعنى الدينى، مما يعنى أن بقاء المسيحية ذاته كان فى خطر.
فكما أعلن البابا "بيوس الثانى ":
- " إن حربًا لا يمكن تجنبها مع الأتراك تهددنا، وإذا لم نحمل السلاح ونذهب الى الحرب لملاقاة العدو فإننا نعتقد أن فى هذا نهاية الدين "
إن المرسوم البابوى الأول الذى أصدره البابا " نيكولاس الأول " عام 1452 - حتى قبل خروج المسلمين نهائيًا من الأندلس - أكد على أن " البابا يفوض ملك البرتغال فى الهجوم والاستيلاء وإخضاع ( الساراكين ) وهم العرب والمسلمين بشكل رئيسى، إن لم يكن بشكل كلى.... الاستيلاء على خيراتهم وأراضيهم، وأكراه أشخاصهم على العبودية الأبدية وتحويل أراضيهم وممتلكاتهم الى ملك البرتغال ".
وقد أعقب ذلك مرسوم ثان أصدره نفس البابا - نيكولاس الثانى - عام 1455، والذى أطلق عليه بحق " دستور الإمبريالية البرتغالية "، وفيه تم الثناء بشدة على " الأمير هنرى الملاح " باعتباره جندى المسيح والمدافع الأول عن الدين. لقد امتدح لرغبته فى نشر اسم المسيح وأخضاع " غير المسيحيين " للدخول فى حظيرة الكنيسة الكاثوليكية. كما وُثق به بصفة خاصة لعزمه الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح والإتصال بسكان الهند " الكاثوليك " - كان الإعتقاد الأوربى الشعبى السائد وقتها هكذا، ولا أعرف من أي مكان جاؤوا بتلك ( المعلومة / الأمنية ) الخرافية - حيث يقال أن الملك القس " برستر جون " يحكمهم، وكان الإعتقاد أن هؤلاء السكان " يجلون إسم المسيح " وأنه بإقامة تحالف معهم يستطيع البرتغاليون أن يواصلوا القتال ضد الساراكين وغيرهم من " غير المسيحيين".
وبعد أن مُنحت الإمبريالية شرعية فى الهند، تبع ذلك صدور مرسوم بابوى إضافى - وهو ضمن مراسيم أخرى - فى 1456 وقد دعم ذلك مرسوم باباوى رومانى بمنح " سلطة روحية على كل المناطق التى يخضعها البرتغاليون سواء الآن أو فى المستقبل، من رأس بوجادور - على الشاطئ الشمالى الغربى لأفريقيا - وثان على طريق غينيا وما ورائها جنوبًا نحو الهند.
وقد تم توجيههم بصفة خاصة للعثورعلى " برستر جون " الذى كان يعتقد أنه بالتحالف معه يمكن للبرتغاليين هزيمة المسلمين، ومما هو جدير بالذكر ومثير للسخرية أيضًا أنه كان يتم البحث عن " برستر جون " للإعتقاد فى أنه يعيش فى كنف الإمبراطورية الإسلامية!

وكان التصريح الجرئ الذى أعلنته الكنيسة بأن المحيط الهندى " لم يكن تحت سيطرة دين ما " - والذى كان الى حد ما المعادل للمفهوم المسيحى فى القرون الوسطى، السابق لمفهوم " الأرض التى لا تخضع لسيادة أحد عليها " قد إنعكس فيما تردد من أن هذا المحيط خالٍ أو حر بمعنى أنه لا سيادة لأحد عليه.
وقد أدى هذا بالبرتغاليين - فيما بعد - الى الاعتقاد أنه من الملائم تمامًا أن تحمل كل السفن الآسيوية التى ترغب فى التجارة فيما يعتقد الأن أنه " المحيط البرتغالى" تصاريح برتغالية.
بمعنى أخر، لم يتم استحضار المسيحية كمبدأ تبريرى للإمبريالية البرتغالية فى الهند فحسب، وإنما شكلت معتقداتها - منذ البداية - أساسًا يرتقى عليه هذا النوع من الأعمال ليصبح مناسبًا أخلاقيًا. ولا يعنى أى من هذا أن الدوافع الإقتصادية لم تكن مهمة. إلا أن الثروات الإقتصادية سوف تكون وسيلة مهمة لشن الحرب على " غير المؤمنين ".
ومن الجدير بالذكر فى هذا السياق، أنه فى عام 1457 أصدرت دار سك العملة فى لشبونة عملة ذهبية عليها ختم
الصليب، وليس بأقل أهمية هنا الإشارة الى أن الذهب قد أتى من غينيا!
** ** **
يتبع..
_______________________________
ستذكر المصادر فى نهاية المقال باذن الله