الأربعاء، 18 فبراير، 2009

من مقدمة د. عبد الوهاب المسيرى لحزب الوسط الجديد

.. وانطلاقا من فكرة المشترك الإنساني والتعددية والخصوصية التي تشكل اللبنة الأساسية في منظومة الحزب الفكرية بذهب برنامج الحزب إلى أن الإسلام هو "المرجعية النهائية للمجتمع المصري" . وهذه العبارة تحتاج إلى توضيح ، إذ يرى البعض أن الحديث عن الإسلام كمرجعية نهائية هو دعوة إلى العودة إلى الحكومة الدينية وحكم الكهنوت وما شابه من مخاوف . وما غاب عن هؤلاء أن أي مجتمع ، بما في ذلك المجتمعات العلمانية ، رأسمالية كانت أم اشتراكية ، دبمقراطية كانت أم شمولية ، تتحرك في إطار مرجعية نهانية ما ، فبدون هذه المرجعية لا يمكن للمجتمع أن يحدد أولوياته أويسير أموره لأنه سيفتقد المعايير التي يمكن أن يحكم بها على ما يحيط به من ظواهر ومايقع حوله من أحداث . ففي الاتحاد السوفيتي السابق كانت مصلحه الطبقة العاملة والفلسفةالمادية هي المرجعية النهائية ، وباسم هذه المصلحة وباسم هذه الفلسفة تمت مصادرة ملكية صغار الفلاحين وصغار التجار حتى لا تظهر طبقة تتناقض مصالحها مع مصالح الطبقة العاملة (التي أصبحت تدريجيا مصلحة بيروقراطية الحزب الحاكم) . والمرجعية النهائية في الولايات المتحدة هي الملكية الفردية والفرد المطلق وحرية رأس المال وصيغة معلمنة من المسيحية . وهي في فرنسا تقريبا نفس الشيء في إطار قانون نابليون . أما في الدولة النازية (العلمانية المادية) فالفلسفة العرقية المادية التي تصنف البشر حسب لون البشرة وحجم الجمجمة ، أي حسب صفات مادية كامنة فيهم ، كانت هي الإطار المرجعي النهائي (ألمانيا فوق الجميع بسبب تفوق الجنس الآري – المنفعةالمادية هي المعيار الوحيد) . والدولة الصهيونية (أو اليهودية كما تزعم) فمرجعيتها هي المرجعية المادية بعد أن اكتست برداء يهودي (اليهود لهم حقوق مطلقة في فلسطين بسبب تقدمهم وتفوقهم الحضاري وانتمائهم للتشكيل الحضاري الغربي ولأنهم شعب واحد مختار) .

المرجعية النهائية إذن أمر حتمي ، ومن لا يقرر لنفسه مرجعيته النهائية سيقررها له الآخرون ، أو سيتبنى بدون وعي مرجعية ما دون إدراك لتضميناتها بالنسبة له . وإذا كان الحزب يؤمن بالمشترك الإنساني ويؤمن بأن العملية السياسية والعمليات الاجتماعية لا يكمن أن تكون منفصلة عن القيمة فإنه يرى أن تقرير مرجعية مجتمعنا لابد وأن تتم بشكل واع ونابع من واقعنا وثفافتنا وسماتنا وطموحاتنا ومثالياتنا (خاصة في المرحلة الراهنة حيث تحدث طيلة الوقت اختراقات فكرية وثفافية كثيرة لوجداننا ورؤيانا) ، إذ ليس من المتوقع أو المنطقي أو الممكن أن نترك مجتمعنا بلا مرجعية أو نستورد مرجعية من الخارج .

لكل هذا يذهب مؤسسو الحزب إلى أن طريق الإصلاح الذاتي "ينبني على قيمنا الحضارية وخصوصيتنا الثفافية المستمدين أصلا وأساسا من الدين الذي يؤمن به المصريون كافة ، إسلاما كان أم مسيحية . وهم يرون أن مرجعية الإسلام العامة في هذا الوطن محل احترام بنيه أجمعين ، فهي بالنسبة للمسلمين مرجعية دينهم الذي به يحيون وعليه يموتون ويبعثون ، وهي بالنسبة لغير المسلمين مرجعية الحضارة التي بها تميزت بلادهم ، وفي ظلالها أبدع مفكروهم وعلماوهم وقادتهم ، وبلغتها نطق وعاظهم وقديسوهم ، ولهم في إنجازاتها كلها دور مشهود وجهد غير منكور . ولذلك فإن السعي – بالوسانل الديمقراطية – إلى تطبيق المادة الثانية من الدستور التي تنص على أن "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع" ، سيكون عملا أساسيا يضعه الحزب في مركز اهتمامه" .

والشريعة الإسلامية كمرجعية نهانية لا تستبعد أحدا "فالإسلام قرر وحدة "الدين" في أصوله العامة ، وأكد على أن شريعة الله تعالى للناس تقوم على قواعد ثابتة من الإيمان والعمل الصالح والإخاء ، وأن الأنبياء جميعا مبلغون من الله ، وأن الكتب السماوية جميعا من وحيه ، وأن المؤمنين جميعا في أية أمة كانوا هم عباده ، وأن الفرقة في الدين والخصومة باسمه إثم يتنافى مع أصوله وقواعده ويتناقض مع غايته ومقاصده" . ومن هنا يرى الحزب أن "الرقابة الروحية" والوصاية على الضمير والمعتقد الديني إهانة لكرامة الإنسان ، وإهدار لحقه في الحرية ، بل وتعدي على إرادة الله سبحانه وتعالى .

والشريعة كمرجعية ليست مجرد نصوص تتلى أو أحكام يتم تطبيقها أمام المحاكم ، فالمسألة أعمق من هذا بكثير . فالشريعة منظومة قيمية ومعايير مرجعية يهتدي الناس بهديها في سلوكهم أمام القانون ، وأمام أنفسهم في حياتهم العامة والخاصة ، والشريعة كمرجعية لا تعني أنها مجموعة من القيم الساكنة وإنما هي عملية متحركة حية تهدف إلى تحقيق المقاصد العامة للشريعة من حرمة النفس الإنسانية وحفظ العقل وتفعيل دوره في الحياة وحرية الاعتقاد وحرمة المال العام والخاص وصيانة العرض وكرامة الإنسان .

وحينما يطرح مؤسسو الحزب الشريعة كمرجعية نهائية فإنهم يسعون إلى جعلها متفاعلة مع جوانب الحياة جميعا ووضعها موضع التطبيق عن طريق تخير الاجتهادات التي لا تصيب حركة المجتمع بالشلل ، وهي اجتهادات بشرية تستضيء بمقاصد الشريعة العامة وكلياتها الأساسية ، ولكنها تظل اجتهادات تحتمل الصواب والخطأ ، وقابلة للأخذ والرد والنقد والمراجعة ، كما أنها قابلة أيضا لإعادة النظر والتغير من زمان لزمان ومن مكان لمكان .

وفي محاولة أولية لتطبيق مفهوم الشريعة كمرجعية نهائية لأبناء المجتمع ككل ، يقرر برنامج الحزب أن مفهوم المواطنة هو الضابط الأساسي في العلاقة بين أبناء الوطن الواحد ، فمن حق المواطن المصري المسيحي أن يتولى أي منصب مثل أي مواطن آخر ، أي أنه يستطيع أن يكون قاضيا أو رئيسا للجمهورية . كما يؤكد الحزب أن تطبيق العدل والمساواة وتطبيق الشورى والديمقراطية والحرية هي عناصر الشريعة ، أما النظام العقابي في كل الدنيا ، فهو خاضع للنقاش .

ويرى مؤسسو الحزب أن الخطاب الديني السائد في مصر منذ فترة طويلة يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إصلاح أساليبه وتجديد مضامينه وتنحية المفاهيم السلبية واللغة الاعتذارية والمعاني الانعزالية التي يحتويها ، وذلك بهدف استيعاب متغيرات الواقع ، وتفعيل "دور الخطاب الديني في مواجهة المشكلات التي يعاني منها المجتمع وبخاصة فئة الشباب ، كما أن هذا التجديد يجب أن ينعكس بشكل إيجابي على مكانة المؤسسة الدينية (الأزهر – الكنيسة) ودورها في جهود التنمية والإصلاح الاجتماعي العام . وهذا التبني من قبل المؤسسين ليس جديدا ولا مرتبطا بدعوات حديثة قادمة من الخارج ولكنها دعوة قديمة ومتأصلة تبناها المصلحون والمفكرون قديما وحديثا ، لأنه واجب ديني ووطني لإدراك الواقع والتفاعل معه وتطويره بما يخدم مصالح الأمة ولايصطدم بغير مبرر مع العالم" .

هذه هي الأسس الفكرية التي ينطلق منها برنامج الحزب وبقية البرنامج إنما هي تبد لهذه المنطلقات .

ففي المحور السياسي يؤكد البرنامج أن الشعب هو مصدر السلطات التي يجب الفصل يبنها ، واحترام حق التداول السلمي للسلطة ، والمواطنة كأساس للعلاقة بين أفراد الشعب المصري ، وحرية الاعتقاد الخاص ، وإقرار التعددية الفكرية والسياسية ، وتنظيم ومراقبة السوق لحماية الضعفاء في إطار القانون ، وحماية حقوق العمال والمستهلكين ، وقيام الدولة بدور نشط في مجال الإنتاج والاستثمار في المجالات الأمنية والاستراتيجية . أما في المحور الاقتصادي فيقرر البرنامج أن الانطلاق الحقيقي للاقتصاد لا يتحقق إلا بتوافر الثقة ، وإزالة معوقات الاستثمار كافة ، وحرية القطاع الخاص ، وتحديد الأولويات الاستثماريه . وفي المحور الثقافي ثمة تأكيد على المشترك الإنساني ، وضرورة الانفتاح على كل الحضارات ، بما في ذلك الحضارة الغربية ، مع التأكيد على ضرورة التوجه شطر الحضارات الشرقية المجاورة فهي حضارات عريقة وثرية ، تحوي رؤية للطبيعة والإنسان تتفق مع كثير من عناصر رؤيتنا العريبة الإسلامية .

كما يؤكد برنامج الحزب ضرورة أن يكون الفن متحررا ومنفتحا . ولكن هذا لايعني أن الإبداع أمر مطلق لا علاقة له بالمجتمع أو بالقيم الإنسانية أو الأخلاقية ، ولذا لابد من التوازن بين تشجيع الآداب والفنون والإبداع من ناحية ، والالتزام بقيم المجتمع وثوابته من ناحية أخرى .

إن نظرت إلى تفاصيل برنامج الحزب ستجد أنه يحاول دائما أن يجد النقطة التي يتلاقى ويتقاطع فيها العام (المشترك الإنساني) مع الخاص (الهوية – الخصوصية – اللغة العربية) ويتلاقى فيها الفرد (القطاع الخاص – الإبداع – تشجيع الاستثمار) مع المجتمع (القيم الأخلاقية – حماية الضعفاء – ترتيب أولويات المجتمع) . هذا هو النمط العام والمتكرر الذي يضفي وحدة فكرية على برنامج الحزب رغم تعدد وتنوع تفاصيله . ومع هذا وجدت أنه من الضروري أن أشير إلى ثلاث نقاط تعبر – شأنها شأن كل تفاصيل البرنامج – عن المرجعية النهائية الإسلامية وعن نقطة التلاقي بين العام والخاص ولكنها ذات أهمية خاصة ، ولذا تسحق أن أتناول كل واحدة منها على حدة .

أول هذه النقاط انتماء مصر العروبي الاسلامي ، وهو ما يتبدى في موقف الحزب من مشاريع الوحدة العربية المختلفة بما في ذلك مشاريع السوق العربية المشتركة . ولعل موقف الحزب من القضية الفلسطينية يبين هذا التقاطع والتقابل بين العام والخاص بشكل متبلور، فقد جاء في برنامج الحزب "أن المسئولية عن القضية الفلسطينية – الى جانب مسئولية الشعب الفلسطيني – هي أيضا مسئولية عربية تخص كل العرب ، وهي كذلك مسنولية العالم الإسلامي ، بل مسنولية الأحرار في العالم كله ، فهي قضية ذات بعد إنساني تهم كافة شعوب العالم نظرا للمعاناة التي يعانيها الشعب الفلسطيني" . وانطلاقا من هذا يؤكد برنامج الحزب حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل المشروعة ، بما فيها القوة المسلحة ، وحقه في تقرير مصيره وحق العودة للاجنين الفلسطينين ، وهي كلها حقوق نصت عليها المواثيق والمقررات والأعراف الدولية والإنسانية والشرانع السماوية .

وثاني النقاط التي أود الإشارة إليها باعتبارها تبديا لنقطة التلاقي والتقاطع بين العام والخاص هو ما يشار إليه في البرنامج بأنه إدماج الاخلاق في سياسات الإصلاح . وعملية الإدماج هذه هي نتيجة منطقية للالتزام بالمرجعية النهائية الإسلامية ورفض فصل القيم الاخلاقية والإنسانية والدينية عن رقعة الحياة العامة . والاصلاح الاخلاقي – في نظر المؤسسين – يجب أن يتأسس على المبادىء والقيم الاسلامية التي تحض على مكارم الاخلاق وفضائل الأعمال ، وهو بهذا المعنى يمتد إلى البحث في كيفية إعادة الفاعلية إلى منظومات القيم والمعايير الفردية والجماعية السائدة في مجتمعنا المصري . والإصلاح الاخلاقي يعني بتقييم وتقويم السلوك من منظور صواب الأفعال أو خطنها ، جوازها أو عدم جوازها ، ويعتمد أول ما يعتمد على قوة الوازع الداخلي إلى جانب المناخ الملائم والقانون العادل والمؤسسات الفاعلة ، فالإصلاح الأخلقي له جانب ذاتي وجانب موضوعي مؤسسي . هذه الثنائية تعبر عن نفسها في جانب آخر وهو الإصرار على القدوة والشفافية . فقد ورد في برنامج الحزب "أن المبادئ والقيم والمعايير الأخلاقية مهما كان نبلها وسموها تظل قليلة التأثير في الواقع ما لم تتجسد في قدوات حسنة يقتدي بها جموع المواطنين على كل مستوى من المستويات ، على أن يجري دعم هذا التوجيه بمجموعة من إجراءات الشفافية (مثل إعلان الذمة المالية ، ومصادر الدخل قبل تولي الوظائف العامة أو الولايات النيابية وبعدها ..) وغيرها من الإجراءات التي تبرهن على صدقية هذه القدوات الحسنة ومن يليها من المقتدين بها في مختلف مواقع المسئولية .

والنقطة الثالثة المهمة هو موقف الحزب من الدولة المركزية التي تجمع السلطة في يدها وتهمش الأطراف . فمن الواضح أن برنامج الحزب يرفض مثل هذا المفهوم للدولة الذي ثبت فشله (ولعل سقوط الاتحاد السوفيتي أكبر دليل على هذا ، كما أننا في مصر قد جربنا فكرة الدولة المركزية هذه في الستينات ، ورغم كل إنجازاتها ، إلا أنها في نهاية الأمر عجزت عن مواجهة الاستعمار الصهيوني ، كما عجزت عن حماية إنجازاتها في عصر الانفتاح والرأسمال الحر) . يطرح الحزب تصورا مختلفا يحجم دور الدولة المركزية ويفعل دور كل قطاعات الشعب . ولعل أهم الآليات في هذا المضمار هو الإصرار على أن الشعب هو مصدر السلطات ، أي أن الديمقراطية هي الإطار الوحيد السليم لإدارة المجتمع . والديمقراطية تجعل من اتخاذ القر ار مسألة مركبة تتطلب مشاركة الجميع فيها . ومن الآليات الأخرى تجديد ثقافة العطاء والعمل التطوعي ووضع برنامج لنشر هذه الثقافة وتعميمها وتشجيع الوقف الخيري ، والمؤسسات الأهلية (بما في ذلك مؤسسة أهلية لجمع الزكاة وإنفاقها وتقديم التيسيرات والإعفاءات اللازمةلإنجاح تلك المؤسسات) . كما أن تفعيل القنوات الديمقراطية الشرعية يعني ثشجيع النقابات المهنية والحرفية على التحرك والتعبير عن مصالح ومطامح أعضائها الذين يشكلون غالبية الشعب . كل هذه الآليات من شأنها أن تضع حدودا على سلطة الدولة دون أن تلغيها أو تقوضها ، بل إنها تجعل الدولة قادرة على الاضطلاع بمسئولياتها على أكمل وجه ، فهي ستكون دولة منفتحة على مؤسسات المجتمع المدني التي تحس بنبض ومطالب الجماهير بشكل مباشر لا يمكن أن يتوفر للنخب أو البيروقراطيات المركزية الحاكمة .

هذا هو الإطار العام لبرنامج الحزب وهذه هي منطلقاته وركائزه الفكرية وهذه هي بعض تبدياته ، فالبرنامج يحوي العديد من التفاصيل والمجالات التي لم نتعرض لها في هذه المقدمة ، ويمكن للقارئ أن يعود إليها للاستزادة وليرى بنفسه مدى ارتباط التفاصيل الجزئية المتنوعة بالكليات والركائز .

ولعله من الضروري أن نؤكد في النهاية أن البرنامج يطرح نفسه لا باعتباره وصفة لحل كل المشاكل ودواء لكل داء وإنما يطرح نفسه باعتباره اجتهادا أوليا ونقطةانطلاق . ومن خلال الممارسة اليومية سنكتشف أن ثمة مجالات لم نتطرق إليها في برنامجنا رغم أهميتها ، وأن بعض مقترحاتنا قد جانبها الصواب ، ولذا من المتوقع تعديل كثير من تفاصيل البرنامج حذفا وإضافة وإعادة صياغة داخل إطار منطلقات الحزب وركانزه الفكرية . والله أعلم .

د. عبد الوهاب المسيري
القاهرة في 25 / 8 / 2004