الأحد، 4 يناير، 2009

مصر والشام.. حقائق قديمة حان وقت التأكيد عليها (1-2)

".. ولكنك تعرف أكثر مني حقائق هذا العصر، بل وكل العصور قبله وبعده، وهي أنه عندما يريدها أحد " أن تكون أخر الحروب"، فمعنى ذلك أنه يعطي للآخرين فرصة أن يفرضوا عليه ما يريدون مطمئنين إلى أنه فى النهاية قابل بما يعرضونه طالما أنه ليس مستعدًا لما يترتب على عدم القبول . وحين تتعهد أمة بأنها لن تحارب دفاعًا عن مصالحها عند اللزوم، فالترجمة العملية لذلك أنها عطلت إرادتها حتى من قبل تبدأ لحظة تعارض الإرادات. ثم أنت أول من يعرف أن السلام موازين قوة، وأنه ليس هناك ما يحافظ عليه غيرها. والقول ب " نهاية الحروب" هو فى شكل من الأشكال وقوع فى محظور تجميد الحياة، وتوقف عجلة التاريخ عن الدوران. وأنا لا أقول إن الحياة والتاريخ كليهما حروب، وإنما أقول إنهما صراع. وفى مجرى أي صراع فإن القوة احتمال وارد، ولا يستطيع طرف، ولا يملك أن ينساه أو يتناساه."
هيكل متحدثًا إلى الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران
** ** **
أوضحت من قبل أن الأمور بعد حرب لبنان صيف 2006 أمست واضحة للجميع، معروف للجميع من هو محور " الخير "، ومن هو محور " الشر "، لأسباب مشابهة أنظر الى سفسطات رؤساء تحرير الصحف القومية المصرية بخصوص علاقة حماس وحزب الله وسوريا بإيران، أنظر إليها على أنها نوع من " نقار الديكة " بين جمهوري فريقين بينهما منافسة أزلية، الحق واضح لكل أعمى، لكن فى مثل هذه الجدالات يصبح الحق أخر ما يتمنى الطرف المخطئ الوصول إليه، يصدق فيهم قول الله تعالى " فإنّها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور "، على سبيل المثال خرجت أهرام الجمعة 2008/12/26 بافتتاحية كتبها رئيس تحريرها أسامة سرايا بعنوان " أوهام حماس "، لايمكن فصل ذلك عن مذبحة غزة التى بدأت فى اليوم التالي لهذه المقالة المستفزة، ككل مقالات أسامة سرايا فى الواقع، ولا تزال - المذبحة - جارية حتى لحظة كتابة هذه السطور، أى لليوم التاسع على التوالي.! سأبدأ من كلام هيكل العبقري المنقول أعلاه فأقول: أن كامب ديفيد بالشكل الذي خرجت به لم تكن مطلقًا فى خدمة مصر، أو القضية العربية عمومًا، اذ أنها متضمنة لاعتراف بوجود دولة اسرائيل، وهو ما لا يمكن قبوله، كما أن منطلقاتها تتمثل فيما ذكره هيكل، نحن نريدها أن تكون أخر الحروب، فعلينا اذًا تحمل ما يفرضه الأخرون!
نستطيع - ببساطة - ملاحظة تأثير ذلك على منحنى المطالب العربية الهابط، أو حتى الجهود العربية لحل القضية الفلسطينية، فبعد الحرب فى 1948، وبعد الهجوم، نجد أنها قد تحولت للدفاع فى 1956، ثم للهزيمة فى 1967، ثم لإنتصار جزئي - بفعل فاعل - فى 1973 ثم لخروج تام من المعركة من جانب مصر وانكماش داخل الحدود، وانغلاق على النفس، بعد معاهدة السلام 1979، وانحسار دورها من طرف أساسي فى المعركة الى مجرد وسيط غير نزيه بين حركتي المقاومة الفلسطينية فتح وحماس، والمقولة الشائعة بأن العرب قد أخطأوا حين لم يسمعوا كلام السادات ولم يذهبوا معه الى كامب ديفيد، ثم هم الأن يتمنون ربع ما كان سيحصل عليه لهم، وإن كانت صحيحة ظاهريًا، الا أنها تحمل فى طياتها اشارة الى حقيقتين فى غاية الخطورة:
1- انهيار قدرة المفاوض العربي، لم يعد هناك ما يمكن المفاوضة بشأنه، نحن نريد السلام، بأى ثمن، بأى شكل، أما الأخرون فهم لا يريدونه، أو يريدونه بالشكل الذى يحقق مصالحهم كاملة، بالتالي تقل الأمال الموضوعة على الطاولة، يصبح التفاوض هدفًا فى حد ذاته، التفاوض ثم التفاوض فالتفاوض، التفاوض الى الأبد، الى ما لانهاية، وبالتالي استمرارًا لمتتالية الهبوط يصبح الوصول الى التفاوض هدفًا!.
2- أن المصير العربي فى النهاية وفى التحليل الأخير مصري، بعد هزيمة يونيو 1967 خرجت قمة الخرطوم بلاءاتها الثلاث الشهيرة " لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف بالعدو الصهيوني"، فى الواقع كانت هذه اللاءات الثلاث ترجمة للموقف المصري المتشدد وقتها، انقلب الموقف المصري 180 درجة بعدها حين وقع السادات معاهدة السلام التي هوجمت بسببها مصر وقوطعت من كل العرب لفترة، ثم هاهم العرب ذاتهم فى قمة بيروت 2002 - بعد اتفاقيتي مدريد1991، التى اعترف فيها العرب باسرائيل ضمنيًا حين وافقوا على مبدأ " الأرض مقابل السلام "، وأسلو1993 مرورًًا بمؤتمرات شرم الشيخ العديدة - يخرجون بمبادرة سلام هزيلة ترفضها اسرائيل دومًا، أو تعدل فيها بما يفقدها معناها، وكانت مبادرة بيروت أيضًا ترجمة للموقف المصري المتخاذل، وشتان بين الموقفين. بالتالي يصبح النظر الى مذبحة غزة الجارية الأن على أنها تجلي أزمة الضعف المصري هو النظرة الصحيحة، من وجهة نظري على الأقل. أقول أنه على مدار التاريخ كانت الشام تابعة لمصر، أو على الأقل يرتبط حكامها بعلاقة تبعية ولو روحية بمصر، نتيجة طبيعية لما سبقت الإشارة اليه من غنى الموضع المصري عن الشامي، الزراع أعلى حضاريًا من الملاحين بالتأكيد، أما يحدث الأن فهو مخالف لكل ما نعرف، لكل ما مر به التاريخ، يضم الشام عددًا من القوى والأنظمة كلها بلا استثناء - الا الموصومين بالخيانة - تعادي مصر، من الشمال سوريا، وتقف فى المعسكر المُعادي، يضم لبنان حزب الله، وهو الطرف الأقوى فى المعادلة اللبنانية الأن وهو أيضًا فى المعسكر المُعادي، أما فلسطين فتضم حماس، وهي الطرف الأقوى أيضًا وتقف فى المعسكر المُعادي، أما بالنسبة لإسرائيل فيحتاج الأمر الى أن تكون رئيسًا لتحرير صحيفة قومية مصرية حتى تقنعني أنها تحولت - بقدرة قادر - الى صديق! ما يحدث فى غزة غير طبيعي - ليس على مستوى الوحشية الإسرائيلية فهي مما نعرفه جيدًا - وانما على مستوى ضعف التحرك المصري، ما يحدث مخالف لألف باء الإستراتيجية، لأبسط ما يعرفه أى أحد عن أساسيات الأمن القومي لأى اقليم جغرافي سياسي موحد فى هيئة دولة! مخالف لما وضعه الإستراتيجي المصري الأعظم د. جمال حمدان من أساسيات الأمن القومي المصري.. يعبر د. جمال حمدان عن الموقف الجيوستراتيجي المصري كله فى ايجاز من خلال سلسلة من المعادلات الإستراتيجية النحو التالي:
-
من يسيطر على فلسطين.. يهدد خط دفاع سيناء الأول
-
من يسيطر على خط دفاع سيناء الأوسط.. يتحكم فى سيناء
-
من يسيطر على سيناء.. يتحكم فى خط دفاع مصر الأخير
-
من يسيطر على خط دفاع مصر الأخير.. يهدد الوادي
وهذه بالضبط " نواة نظرية الأمن القومي المصري "
يفسر د. جمال حمدان مكملاً فيقول: "
إن موقع مصر مهدد أبدًا وبانتظام بالإجهاض والشلل الجزئي ما بقيت اسرائيل، خاصة وأنها تريد أن ترث دور قناة السويس نهائيًا، بل وتهدف إلى سرقة موقع مصر الجغرافي، ومن ثم يصبح المبدأ الإستراتيجي الأول فى نظرية الأمن القومي هو مرة أخرى: دافع عن سيناء تدافع عن القناة تدافع عن مصر جميعًا، وبالتالي لا ضمان الا بذهاب العدو." ويبدو أن د. جمال حمدان يتحدث من منظور الماضي حين كانت اسرائيل عدوة! بالتالي يصبح افتراض حسن النية فى التعامل المصري مع الموقف الحادث فى غزة نوعًا من العبث، فهو اما ينم عن جهل شديد بحقائق الأوضاع على الأرض ومدى تأثير ذلك على المستقبل، واما أنه تتم ادارة الموقف لتحقيق مصالح خاصة جدًا وضيقة جدًا، ليس منها بالتأكيد مصلحة مصر.
__________________________
الى..
مصر.. حينما كانت مصر التى أعرفها.
غزة..
وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
محمد فوزي.. لولاك لنسيتنى الكتابة

هناك 5 تعليقات:

semsema يقول...

لي الشرف ان اكون اول من قرأها ..

مجهود رائع ..

مـ صـ ـر ..

اشعر بمرار وانا انطق هذه الاحرف الثلاث



لاحظت انك لم تذكر ان لمصر طرف قوي ؟؟

S.A يقول...

rbna 3ala el zalem we kolna masreyeen bs bdam flsteny

أحمد عبد الفتاح يقول...

سمسمة:
لينا الشرف انك أول حد يعلق
:D

أحمد عبد الفتاح يقول...

سامح..
ابقى تعالى كتير ياض

عبده العمراوى يقول...

شركة كشف تسربات المياه بالاحساء